أموال المقاصة.. ورقة (إسرائيل) الرابحة في وجه السلطة

غزة – أحمد أبو قمر           

يتكرر الحديث في الاعلام العبري عن أموال المقاصة الفلسطينية بشكل مستمر، حتى باتت الوجبة الدسمة للمرشحين في الانتخابات (الإسرائيلية) الأخيرة.

وعادة ما تستخدم (إسرائيل) أموال المقاصة كورقة رابحة في وجه السلطة، وخطوة تأديبية تراها الأنجع في إعادة السلطة للمسار الذي وضعه قادة الاحتلال.

ووفق بروتوكول باريس الاقتصادي الذي أفرزته اتفاقية "أوسلو"، فإن سلطات الاحتلال مخولة بجباية ضرائب البضائع الفلسطينية على المعابر التي تسيطر عليها (إسرائيل) بالكامل، ومن ثم تحولها للسلطة بعد اقتطاع نسبة عمولة.

وتشكل أموال المقاصة النصيب الأكبر من الإيرادات العامة الفلسطينية، وتصل قيمتها الشهرية إلى 180 مليون دولار.

** عقاب بأموال المقاصة

وبعد الاقتطاع الأخير لأموال المقاصة في شهر فبراير الماضي، وامتنعت السلطة على إثره من استلام أموال المقاصة من سلطات الاحتلال ودخلت في أزمة مالية، تتجه (إسرائيل) إلى اقتطاع مبالغ إضافية من أموال العوائد الضريبية الفلسطينية، كما ذكرت صحيفة "معاريف" العبرية.

وقالت الصحيفة إن الأموال المنوي اقتطاعها هي التعويضات التي ألزم بها القضاء الإسرائيلي عائلات منفذي العمليات، مرجحة أن تصل إلى مئات ملايين الشواكل.

وذكرت الصحيفة أن المحاكم (الإسرائيلية) أصدرت مؤخرا عدة قرارات تلزم بها عائلات منفذي العمليات بدفع غرامات مالية باهظة، "ولكن نظرا إلى الأوضاع الاقتصادية للأسر، سيتم خصمها من أموال الضرائب الفلسطينية".

وفي شهر يوليو الماضي، وافق الكنيست على "مشروع قانون" لخصم رواتب الأسرى وأسر الشهداء، وصوت لصالح القانون 87 من أعضاء الكنيست بينما عارضه 15 عضوا.

وفي تتبع تاريخ الاحتلال بحق الأموال الفلسطينية، فقد سبق وأن منعت سلطات الاحتلال تحويل أموال المقاصة مع توجه محمود عباس للأمم المتحدة للمطالبة بعضوية في بداية عام 2013.

وبداية العام الجاري، أصدرت محكمة (إسرائيلية) قرارا باستقطاع مبلغ 100 ألف شيكل من عائدات أموال المقاصة، لصالح "مستوطنة إسرائيلية".

كما نقلت السلطات الإسرائيلية، الأسبوع الماضي، 6 ملايين شيكل لعائلة مستوطن قتل قبل 16 عاماً، بعد أن أمرت محكمة إسرائيلية باقتطاع تلك الأموال من الضرائب لعائلة القتيل، وحكمت على السلطة بدفع تعويضات لأسرته.

وطبقت السلطات الإسرائيلية القرار، بتوجهها لوزارة المالية التي تحتجز أموال المقاصة التي ترفض السلطة تسلمها.

وردت السلطة أكثر من مرة خلال الأشهر الماضية، أموال المقاصة إلى (إسرائيل)، بعدما خصمت منها (تل أبيب) بشكل شهري مبلغا يصل إلى 42 مليون شيكل شهريا، ضمن قرار باقتطاع إجمالي 504 ملايين شيكل، وهو مبلغ يوازي ما دفعته السلطة لعائلات شهداء وأسرى في عام 2018.

بدوره، ذكر أستاذ الاقتصاد في جامعة النجاح عمر عبد الرازق، وزير المالية الأسبق، أن (إسرائيل) والولايات المتحدة تستخدم أموال المقاصة كأداة للضغط الاقتصادي ولتحقيق أهداف سياسية.

وقال عبد الرازق، في ورقة عمل كتبها عن مشكلة أموال المقاصة: "الوضع الاقتصادي للسلطة حرج جدا ولن تستطيع الوفاء بكامل التزاماتها التمويلية، ولكن لا أعتقد أن الأطراف المختلفة ستسمح بانهيار السلطة التي أصبح وجودها مصلحة استراتيجية للاحتلال، خاصة وأنها أثبتت جدارتها في القيام بالمهام المنوطة بها وخصوصا على المستوى الأمني".

وعن انعكاسات هذه الخطوات على السلطة، أكد أنها ستعاني في المدى القصير من ضائقة مالية خاصة إذا خوفت الولايات المتحدة المانحين الآخرين وأجبرتهم تعليق منحهم وربطها بالمطالب الأمريكية.

ولكن على المدى البعيد يجب أن تغتنم السلطة الفرصة وتعمل على الاستقلالية عن كثير من الدول المانحة وخاصة تلك التي تربط منحها بالعملية السياسية وتطورها والبحث عن مصادر وآليات أخرى لتمويل العجز في الموازنة.

أما ما يتعلق بالخيارات المتاحة أمام السلطة، فتتمثل بالضغط السياسي على (إسرائيل) من خلال الاتحاد الأوروبي وبعض الدول الأخرى، والضغط الميداني من خلال عدم مطاردة المقاومين بأي شكل، وفق عبد الرازق.

ودعا السلطة للتخطيط على المدى البعيد، وجعل النظام الضريبي الفلسطيني أكثر إنصافا بحيث يكون تصاعديا حقا، وأن تتحمل طبقة رجال الأعمال حصة أكبر في العبء التمويلي للسلطة، والاستثمار بالشراكة مع القطاع الخاص في مشاريع إنتاجية بحيث ترفد الموازنة، والعمل على تخفيض حصة الأمن في النفقات الحكومية ورفع حصة النفقات الاجتماعية المختلفة.