أطفال النطف المهربة المقدسيون.. أحياء دون إثبات

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

الرسالة– مها شهوان  

لا تترك (إسرائيل) وسيلة لتمارس مزيدا من الانتهاكات ضد الفلسطينيين لاسيما الأسري منهم، إلا واتبعتها. فرغم محاولاتهم دوما صنع حياة لهم من خلف القضبان إلا أن دولة الاحتلال تنغص عليهم بمزيد من العقوبات عند كل خطوة يتخذونها حال أرادوا أن يكونوا كما الأحرار في الخارج.

في السنوات الأخيرة سعى العشرات من الأسرى لإنجاب أطفال عبر النطف المهربة بأدواتهم الخاصة، منهم من هو محكوم بالمؤبدات ويريد إنجاب طفل لأول مرة ليشعر أن لديه هدف وحلم سيخرج له، وآخرون يريدون أن تكبر عائلتهم رغم أنف السجان.

ورغم نجاح محاولات غالبيتهم إلا أن هناك عواقب وخيمة تقع على أطفال الأسرى المقدسيين خاصة.

بحثت "الرسالة" لتغوص في تفاصيل مصير أطفال النطف المهربة وسجلهم المدني وطرق تسجيلهم، والعقوبات التي تفرضها (إسرائيل) على الأسرى حال انكشف أمرهم عند تهريب النطف.

 ثورة من أجل الحياة

تبدأ عملية تهريب النطف عبر زيارات الأهالي لأبنائهم الأسرى سواء من قطاع غزة أو الضفة المحتلة والقدس، فبعد تكرار تلك العملية تشجع الأسير فهمي أبو صلاح المحكوم بالسجن 22 عاما من إنجاب طفل أبصر النور عام 2014 فأسماه "أسعد".

بعد الإعلان عن ولادة الصغير، حالة من الفرح عمت سجن ريمون الذي كان فيه، مما أغاظ الاحتلال فقام بأول عقوبة ضد شقيقه الأسير في السجن ذاته بتغريمه بمبلغ 1500 دولار، وحرمانه من الكنتنية وعزله انفراديا بحجة أنهم وجدوا لديه هاتفا خليويا، لكن ما كشف حقيقة نوايا السجان حين أخبره عندما وضعوه في الزنانة بالقول: "خلي أخوك يتعلم يطلع أولاده من السجن".

لم يكتف الاحتلال بتنغيص فرحة "أبو أسعد" حين اعتقلوا شقيقه، بل وصل الحد بهم إلى عدم السماح للصغير بزيارة والده بتهمة "مرفوض أمنيا" فهو بنظرهم طفل "غير شرعي" ولا يوجد ما يثبت أنه ابن الأسير فهمي.

تلك العقوبة يفرضها الاحتلال الإسرائيلي على أطفال النطف المهربة لأسرى قطاع غزة بحرمانهم الزيارة واعتبارهم أطفالا غير شرعيين.

وفي هذا السياق يقول عبد الناصر فروانة الباحث المختص بشؤون الأسرى، ما يفعله الأسرى يعتبر ثورة من اجل الحياة والاستمرارية رغم الأحكام العالية والمؤبدات وهي جزء من مسيرة الأسرى وإصرارهم على الحياة رغم الإجراءات القمعية والتعسفية بحقهم.

وأكد فروانة أن العديد من هؤلاء الأطفال ممنوعون من الزيارة بحجة انهم غير شرعيين ولا تعترف (إسرائيل) بوجودهم، لافتا إلى أنه على الرغم من الانتصار الذي حققه الأسرى في تهريب النطف التي أصبحت ظاهرة شقت طريقها للنجاح والانتصار وحظيت بحاضنة وطنية واجتماعية الا أنها بحاجة القليل من التنظيم والترتيب كما يقول فروانة لقطع كل الشبهات والاعتراضات.

وبحسب المختص في شؤون الأسرى فإن سلطات الاحتلال لا تعترف إلا بمن أنجبوا قبل وقوع آبائهم في الأسر، الأمر الذي دفع عددا من الأسرى إلى توكيل مراكز حقوقية إسرائيلية من أجل انتزاع حكم قضائي يجيز لهم الالتقاء بأطفالهم وزوجاتهم.

ونجحت مؤخرا الجهود الحقوقية في انتزاع موافقة إسرائيلية يُسمَح بموجبها لزوجات الأسرى بزيارة أزواجهن دون اصطحاب أطفال النطف المهربة، كما في بعض الحالات زار أطفال النطف المهربة آباءهم، وحين اكتشفت إدارة السجون الطريقة التي أنجبوا بها عمدت إلى منعهم من الزيارات لاحقا.

ويشير إلى أن الأسرى الذين أنجبوا بواسطة النطف المهربة تُتخذ بحقهم سلسلة إجراءات عقابية تبدأ بحرمانهم من رؤية أبنائهم وإخضاعهم للعزل الانفرادي وفرض غرامات مالية أو منع زوجاتهم من زيارتهم.

 ترحيلهم قسرا عن القدس

أطفال النطف المهربة في قطاع غزة أوفر حظا من أطفال الضفة والقدس، ورغم أنهم يحرمون زيارة ذويهم ولا يعترف بهم الاحتلال لكن تعترف بهم الحكومة، لكن الوضع مختلف لاسيما في القدس.

الوصول إلى تلك الحالات في الضفة المحتلة والقدس والاطلاع على أسمائهم ومعاناتهم لم يكن سهلا، فالأهالي يخشون فرض المزيد من العقوبات على أطفالهم أو الأسرى داخل السجون، أو عرقلة أي إجراء جديد من شأنه أن يثبت أن الطفل شرعي في السجل المدني لوزارة الداخلية الإسرائيلية التي يتبع لها فلسطينيو القدس وأراضي الـ 48.

إحدى الحالات التي تتحفظ "الرسالة" فيها على ذكر الأسماء، لأسير مقدسي تزوج سيدة من رام الله، وبعد مضي ثلاثة شهور تم اعتقاله وفي أحشاء زوجه جنين، وحين ولد لم يعترف الاحتلال الإسرائيلي به لأنه لا يمتلك أوراقا ثبوتية تؤكد مقدسيته.

ولرفض الاحتلال الاعتراف بوجوده اضطر الطفل الذي يبلغ الآن ثمانية عشر عاما للالتحاق بمدرسة خاصة وكذلك تلقي علاجه لدى مستشفيات خاصة، ولم يستطع الالتحاق بالجامعة.

وأنجبت والدته طفلا آخر عبر النطف المهربة مما زاد الطين بلة وصعب الأمور أكثر.

سعت الأم كثيرا لطرق أبواب المؤسسات الحقوقية للاعتراف رسميا بمقدسية أبنائها، لكن الاحتلال يرفض ذلك مما اضطرها للذهاب بهما إلى رام الله لاستخراج أوراق ثبوتية، وحرمها الاحتلال من العودة إلى القدس والهوية المقدسية.

وكان لتلك الواقعة أثر نفسي على العائلة التي تشتت شملها، فلم يعد بمقدور الأخوة زيارة أقاربهم في القدس، عدا عن العقوبات التي وقعت على والدهم داخل الأسر.

يقول أمجد أبو عصب رئيس لجنة أهالي الأسرى في القدس:" تتحفظ الكثير من العائلات المقدسية من الحديث لوسائل الإعلام حول قضية النطف المهربة للأطفال خشية فرض (إسرائيل) المزيد من العقوبات ضدهم".

وبحسب متابعته، فإن أول عملية تهريب كانت من نصيب الأسير فهمي مشاهرة المحكوم 20 مؤبدا، فقد أنجبت زوجته مرتين وحتى هذه اللحظة لا يملك طفلاه هويات مقدسية، مبينا أنه في المقابل هناك الكثير من الأطفال تيسرت أمورهم لدى وزارة الداخلية الإسرائيلية دون أن ينتبه الموظفون لهم.

ويصف أبو عصب "للرسالة" الحالة النفسية لذوي أطفال النطف المهربة بالسيئة وينتابهم قلق دائم على حياة أطفالهم الدراسية ومستقبلهم المجهول بسبب حرمانهم من الأوراق الثبوتية.

وبين أن غالبيتهم لايزال صغيرا لكن حين يكبرون ستزداد تعقيدات الأمور وستضطر عائلاتهم للرحيل من القدس وهذا ما يريده الاحتلال.

وعن الدور الذي تبذله السلطة في حماية هؤلاء الأطفال، ذكر أنها على دراية بالأمر لكن الشأن المقدسي لديها يحتاج لاهتمام أكثر، داعيا إلى التحرك العاجل للاعتراف بهؤلاء الأطفال ومنحهم هويات مقدسية خوفا من ترحيلهم قسرا عن مدينة القدس التي يعمل الاحتلال دوما على إفراغها من سكانها الأصليين.

زوجة أسير يهودية!

ولطبيعة الحياة المختلفة في الضفة المحتلة، فإن إنجاب طفل عبر نطفة مهربة ليس سهلا، فلابد أن يتم الأمر بقرار من الزوجين ومباركة ذويهما، كما في قطاع غزة، لكن تبقى التقاليد والعادات في الضفة مختلفة.

وبلغ عدد أطفال النطف المهربة من داخل السجون الإسرائيلية حتى نهاية العام الحالي 68 طفلا بينهم "17" طفلا أنجبوا خلال العام "2017" وكان آخرهم ابن الأسير سائد صلاح من جنين والمحكوم بالسجن "27" عاما.

وبحسب بيان لوزارة الأسرى، فان أطفال الأسرى عن طريق النطف المهربة أصبحت أمرا واقعا على الاحتلال ويجب التعامل معها، في المقابل تضع (إسرائيل) عقبات أمام هذا الابتكار الذي خلق حياة من داخل السجون، فهي تحرم أطفال الأسرى الذين ولدوا من النطف المهربة من إصدار شهادات ميلاد رسمية، لتوقف أي نية لدى الأسرى الفلسطينيين في تهريب نطفهم.

يذكر أن أول ولادة طفل من النطف المهربة من داخل السجون سجلت في منتصف العام 2012 حيث أنجبت زوجة الأسير عمار الزبن المحكوم بالسجن 27 مؤبدا و25 عاما طفلها الأول مهند.

هذه حكاية زوجة أسير أراد زوجها أن تنجب ونيسا لصغيرهما الذي بدأ يكبر، فأخرج نطفة مهربة لكن بقيت مجمدة لدى المختبر مدة خمس سنوات، وكان شرطها أنه في موعد كل صلاة ولمدة ثلاثة أيام أن يعلن المؤذن أنها ستقوم بإجراء عملية حقن للإنجاب عبر نطفة مهربة، رغم خطورة ذلك عليها وزوجها.

رأى الطفل النور، لكنه بقي محروما من زيارة والده عدا مرات قليلة بزعم أنه يشكل خطرا أمنيا على (إسرائيل).

وهنا قصة لزوجة أسير تمكنت من جلب حقوق صغارها المقدسيين والاعتراف بهم، لكن التفاصيل مختلفة عن سابقاتها، فزوجة الأسير ضياء مطر إسرائيلية الجنسية، واعتنقت الإسلام بعد زواجها وعند إنجابها من زوجها المقدسي رفضت السلطات الإسرائيلية منحه الهوية المقدسية، رغم أن القوانين الإسرائيلية تنص على أن الفتاة اليهودية التي تنجب طفلا بطريقة غير شرعية يتم الاعتراف به.

هذا ما دفع زوجة "مطر" للدفاع بقوة عن حقها الشرعي، فكيف لطفل غير شرعي أن يمنح الأوراق الثبوتية بينما طفلها الشرعي تعتبره (إسرائيل) "غير شرعي".

بعد ستة شهور من العراك لتسجيل ابنها تمكنت الزوجة من الحصول على أوراق ثبوتية تؤكد مقدسيته دون أن ترحل لمكان آخر للاعتراف به.

المطلعون على وضع أطفال النطف المهربة قلة، فالحديث عنهم يكون عند ولادتهم عبر وسائل الإعلام أما بعد ذلك يبقى ما يقع عليهم من عقوبات بعيدا عن الأضواء، الأمر الذي دفع الحقوقية عبير قاسم من الضفة المحتلة لإنجاز دراسة كاملة حولهم.

عبر الهاتف كسرت "الرسالة" الحواجز للحديث مع قاسم، التي ذكرت في البداية أن أطفال النطف المهربة في قطاع غزة يسجلون في السجلات المدنية دون إشكالية، لكن لا يدخلون على البيانات المركزية في القدس أسوة بسكان القطاع بعد الانقسام السياسي، عدا عن حرمانهم الزيارة.

وبينت أن أطفال الضفة تمنعهم (إسرائيل) من زيارة ذويهم بحجة عدم وجود صلة قرابة مع الأسير.

وتحدثت الحقوقية أن أهالي أطفال النطف المهربة لا يرغبون التصريح لوسائل الاعلام خوفا من منعهم من الزيارة أو عرقلة أمورهم القانونية التي تترافع فيها الجمعيات الحقوقية لحصول الأطفال على أوراق ثبوتية لاسيما المقدسيين.

وأوضحت أن الإشكالية تكمن لدى الأطفال المقدسيين في تسوية أوضاعهم القانونية، لاسيما وأن قوانين القدس مختلفة كليا عن الضفة المحتلة، مؤكدة أن العنصرية الإسرائيلية تتمثل في حرمان الأطفال الذين حملت بهم أمهاتهم وأنجبوا بعد اعتقال والديهم من التعليم والعلاج المجاني.

 أوراق ثبوتية

وتطرقت الحقوقية قاسم إلى المعاناة التي عاشتها زوجة الأسير المقدسي ضياء مطر، فهي رغم أنها كانت يهودية الجنسية حاربت للاعتراف بطفلها، وطالبت عبر الجهات الحقوقية بتحليل DNA وسمح لها بذلك حتى أثبتت بعد ست شهور شرعية طفلها وحصوله على هوية مقدسية.

وعن الأثار الناجمة عن عدم الاعتراف بأبناء الأسرى المقدسيين، ذكرت أن تحركاتهم في البلدة المقدسية محدودة ولا يمكنهم إكمال دراستهم الثانوية العامة والالتحاق بالجامعة، عدا عن حرمانهم الدخول إلى سوق العمل بحجة عدم وجود أوراق ثبوتية.

وبحسب قاسم، فإن (إسرائيل) لا تكتفي بعقوبة الأسير المهرب للنطفة داخل المعتقل، أو حرمان ابنه من الأوراق الثبوتية، بل تسمح في المرة الأولى للأم الحضور بطفلها لتوقعها في فخ التحقيق المهين والمذل.

وكشفت الباحثة أنه خلال التحقيق يستفز الاحتلال الأم ويسألها من أين جاءت بالطفل من أبيها أم أخيها، لكن يبقين قويات فهن صاحبات القرار ويواجهن المحقق بصلابة وقوة.

وعبر دراسة الحقوقية فإن ما تسعى له (إسرائيل) من خلال إجراءاتها العقابية ضد أبناء الأسرى المقدسيين هو التهجير الديمغرافي للقدس من سكانها الأصليين، لافتة إلى أنه في حال سكنت تلك العائلات الضفة المحتلة يسقط حقهم في الهوية المقدسية.

وكان للأسير كريم يونس صاحب المؤبدات، رأي في بحث قاسم، حين أخبرها أن عملية التهريب وحدت الأسرى داخل السجون الأمر الذي يغيظ الاحتلال، فإنه في حال إنجاب طفل كل الفصائل تشارك بالاحتفال، حيث تعلو الزغاريد والغناء للأسير وطفله في جميع أقسام السجون ويصنعون الحلوى ويوزعونها.

وعن الحلول لمواجهة القرارات الإسرائيلية تجاه أطفل النطف المهربة، تؤكد قاسم أنه لابد من تشكيل حقوقي ورفع قضية أمام محكمة العدل الإسرائيلية للنظر في مثل تلك القضايا.

في النهاية رغم محاولة (إسرائيل) تجريد الأسرى من إنسانيتهم، والأحكام العالية والإجراءات العقابية بسبب تهريبهم للنطف عبر وسائل ابتكارية مختلفة، إلا أنهم يواصلون تحديهم للسجان وبدليل أن هناك من كرر تهريبه للإنجاب مرة واثنتين وثلاثة.