"المنسق" كأداة في الحرب على الوعي الفلسطيني

منسق الاحتلال كميل أبو ركن
منسق الاحتلال كميل أبو ركن

د.صالح النعامي 

لولا حقائق الواقع المرة، لكان من المستهجن أن ينبري المرء للتحذير من مخاطر التعاطي مع مؤسسة دشنها الكيان الصهيوني لتحسين قدرته على مواصلة احتلال الأراضي الفلسطينية، مثل مؤسسة "منسق" شؤون الأراضي المحتلة في وزارة الحرب الصهيونية.

فمن حيث طابع المهمة والتكليف، فإن هذه المؤسسة مسؤولة أمام القيادة السياسية والعسكرية للاحتلال عن توظيف "القوة الناعمة" في إحكام السيطرة على الفلسطينيين أرضا وشعبا، من خلال تنفيذ برامج ومخططات يتكامل تأثيرها مع مفاعيل القوة الخشنة التي تستخدمها أذرع الاحتلال الأخرى.

ومثلها مثل بقية مؤسسات الاحتلال التي يتقاطع فيها الجانب المدني مع العسكري، فإن مؤسسة المنسق تعمل على بناء قنوات اتصال مباشر مع الجمهور الفلسطيني من خلف ظهر المؤسسات الفلسطينية الرسمية وحركات المقاومة، عبر استغلال حاجات الناس الناجمة عن واقع الاحتلال والحصار.

وعلى الرغم من أن المرء بإمكانه حصر عدد كبير من المخاطر التي تنجم عن التعامل مع هذه المؤسسة، إلا أنه من الأهمية بمكان الإشارة إلى المحاذير الرئيسة التالية:

أولا: تنشط مؤسسة المنسق في الجهد الأمني والاستخباري المباشر من خلال توظيف الاتصال المباشر بالفلسطينيين الذين يتوجهون بطلبات مساعدة عبر تحويل طلباتهم إلى جهات استخبارية تشترط الاستجابة للطلب بتقديم معلومات أمنية.

تتعاظم شهية الاستخبارات الصهيونية لمحاولة إسقاط صاحب طلب المساعدة في حال رأت أن تجنيده يمكن أن يسهم في الحصول على معلومات تساعد على مواجهة المقاومة الفلسطينية.

ليس بالضرورة كل من تتحرك مؤسسة المنسق لمساعدته يتم ابتزازه استخباريا، لأنه ليس كل شخص بإمكانه تأمين معلومات ذات صلة، حسب تقدير الاستخبارات الصهيونية.

ومن الأهمية بمكان إدراك حقيقة أن مؤسسة المنسق تعمل بشكل وثيق بالمؤسستين اللتين تتوليان مهمة تجنيد المصادر البشرية في الأراضي المحتلة، وهما: جهاز المخابرات الداخلية "الشاباك" و"وحدة 504"، الوحدة المسؤولة عن تجنيد العملاء في شعبة الاستخبارات العسكرية.

ويمكن الافتراض أن هاتين المؤسستين تعكفان على مراجعة طلبات المساعدة التي يقدمها واختيار من تتم محاولة اصطياده.

طبعا لا يمكن أن نتجاهل حقيقة أن الطاقم العامل في مؤسسة المنسق هم في أغلبهم من الذين خدموا في الأجهزة الاستخبارية.

فعلى سبيل المثال، المنسق السابق يوآف مردخاي، كان ضابطا كبيرا في "وحدة 504"، وكثيرا ما كان يتباهى بقدرته على تجنيد العملاء، سيما داخل لبنان.

ثانيا: التأثير على وعي الجمهور الفلسطيني وإحداث تحول على موقفه من المقاومة عبر حرب المعلومة، التي بات جيش الاحتلال يجاهر باستخدامها في التأثير على الوعي الفلسطيني الجمعي، وذلك من خلال محاولة إحداث تحول على الموقف من المقاومة والكيان الصهيوني ذاته.

ويعد التأثير على الوعي أخطر من التوظيف في الإسقاط الأمني والاستخباري لأن النجاح فيه يسهم في المس بتماسك الجبهة الداخلية الحاضنة للمقاومة.

فمؤسسة المنسق تقدم ذاتها على أنها تقدم حلولا لمشاكل تتسبب بها المقاومة، وذلك من خلال عرض معطيات تدلل على ذلك، مع العلم أنه يكاد من المستحيل التحقق مع صحة هذه الأرقام.

وتتوسع هذه المؤسسة في توظيف ما تدعي أنه سلوك للمقاومة يؤثر على قدرتها على مساعدة الفلسطينيين، سيما عندما يدعي الاحتلال ضبط تجهيزات تساعد المقاومة في المعابر التجارية وغيرها.

قصارى القول، إن التعامل مع صفحة المنسق يمثل أقصر الطرق إما إلى السقوط الأمني، مع كل ما ينطوي عليه هذا الأمر من دمار يلحق بأولئك الذين يتواصلون معه على الصعيد الشخصي والعائلي، أو أنه يقود إلى أن يتطوع أولئك من حيث لا يعلمون ليكونوا أدوات في ماكنة حرب الوعي التي يشنها المحتل.

إن أبسط متطلبات احترام الذات والانتماء الوطني تفرض عدم التعامل مع "المنسق" وصفحته بأي شكل من الأشكال".

مواجهة حرب الوعي التي يشنها المحتل تتطلب تضافر كل الجهود الوطنية لإفشالها.