عساكر قوس قزح ... أحلام قتلها الفقر

غلاف الرواية.jpg
غلاف الرواية.jpg

الرسالة نت

 

رشا فرحات 

هل حدث وأن عشقت كتابا؟! أحببته؟! تعاطفت معه!! لأنه أعاد فيك شيئا من الطفولة، وسافر بك إلى معالم لا تعرفها، بل حلق بك بعيدا إلى الأحلام التي لا تتحقق إلا بشق الأنفس، إلى الإصرار الذي يكبر في صدر أطفال لم يعرفوا سوى الفقر ولكنهم رغم ذلك كانوا يحلقون بأحلامهم إلى قوس قزح .

 

هذا الكتاب فريد من نوعه، يحمل بين دفتيه جرعة من الحب والإصرار ، ذكرتني بأحلام أبناء المخيمات الفلسطينية في الستينات، حينما كان العلم ملاذهم الوحيد، منهم من تعلم، ومنهم من لم يكمل، لأن الفقر منعه، أو لأن اليتم منعه عن إكمال حلمه، ولكنهم جميعا اشتركوا بفكرة أن العلم هو ملاذنا الوحيد للارتقاء في هذا العالم الظالم.

 

تتحدث الرواية عن مكان لم تسمع عنه من قبل... جزيرة من جزر إندونسيا تدعى بيليتونج، وهي مكان غني بالقصدير، الذي احتكره كبار رجال الأعمال وأقاموا شركاتهم وثرواتهم على حساب فقراء الجزيرة، ما قسم المجتمع إلى محتكرين وعمال، أولئك زادهم القصدير ثراء والآخرين زادهم فقرا لأنهم ظلوا عمالا في مناجمه.

 

وفي خضم ذلك يحكي الكاتب أندريا هارتا وهو واحد من عشرة أطفال عاشوا تحت خط الفقر بكثير عن رحلة تعليمهم في المدرسة المحمدية الموجودة في مكان ناء في الجزيرة، تحاربها وزارة التربية التعليم وتنوي إغلاقها وهدمها للتنقيب عن القصدير الوفير تحتها، بينما يحارب العشرة طلاب ومعلمتهم ومديرهم وحيدون دون أي سلاح سوى عبقريتهم وذكاءهم للارتقاء بمدرستهم حتى تصل إلى مرحلة متميزة، ورغم ذلك لا تشفع لهم جهودهم ودروع تكريمهم فتهدم المدرسة من قبل شركات التنقيب.

 

أسلوب الكاتب الرائع يجعلك تحلق في معالم الجزيرة الفاتنة، حيث يذكر هيراتا أن جزيرة بيليتونغ الصغيرة تعتبر من أغنى جزر أندونيسيا ولكن احتكار استخراج القصدير بيد الشركات جعل السكان يعانون فقرا كبيرا .

 

ولعل الوصف الجميل للمعالم والطرقات والغابات المليئة بالسرخسيات والنباتات الجميلة ستجعلك تعيش في عوالمها الفاتنة، وسترى أعواد البامبو التي ترتكز عليها بيوتها ، وستتحسر لحظة أن يصل أكثر الأطفال ذكاء في الصف إلى مرحلة متقدمة من التميز ثم يتوفى والده فجأة، فتتغير أقداره و يظطر لترك المدرسة ليحل محله، فينتهي به الأمر سائقا لشاحنة نقل.

يصف لك هيراتا جمال العادات والتقاليد الإندونيسية رغم تعدد الأعراق حيث يصف المجتمع قائلا: هويتنا لا تقوم على اللغة ولون البشرة والنظم العقائدية أو حتى بنية الهيكل العظمي، نحن عرق يقوم على المساواة"

إنها رواية توزيع الأقدار والنعم، كل حسب اجتهاده وظروفه، منهم من يصل إلى حيث يريد، ومنهم من تمنعه الظروف القاهرة فتبكي لأجل ذلك وتفرح من أجل الآخر، ثم تشعر بالرثاء لأن أغلبهم لم يصل إلى حيث أراد، ولأن المدرسة لم تعد موجودة، وحتى القصدير لم يعد موجودا، كل ما في الأمر أن الفقر لازال هناك.

 

يذكر أن الكاتب عمل متطوعا في الولايات المتحدة لإغاثة متضرري تسونامي، وهناك قابل مدرسة تشبه مدرسته المحمدية ذكرته بأن عليه أن يفي بوعده لمعلمته وبأن يكتب عن تجربة مدرسته التي كان واحدا من طلابها، وقد وفى بالوعد حقا حيث ترجمت الرواية لأكثر من لغة وتعتبر هي روايته الأولى، وقد حولت أيضا إلى فيلم سينمائي.