قراءة نقدية في الأداء التفاوضي لمنظمة التحرير الفلسطينية

محمد مطر – باحث في شؤون المفاوضات

 

تثبت تجربة المفاوضات الفلسطينية-"الإسرائيلية" أن منظمة التحرير الفلسطينية (م. ت. ف) قد أخطأت حينما دخلت مشروع التسوية بكل ثقلها وبكثير من التنازلات، دون أي مقابل على الأرض، ولا تزال الأيام تكشف عن خلل فادح في الأداء والأداة. ومن أهم المآخذ على تلك التجربة التفاوضية: ضعف الكفاءة والحنكة السياسية والخبرة الدبلوماسية للمفاوض الفلسطيني، مع تردي الأداء التفاوضي، وعدم إحراز تقدم ملموس على صعيد حل القضية الفلسطينية عبر المفاوضات.

تنازلات بلا مكاسب
لقد جرى تآكل في ثوابت البرنامج الوطني بسبب التنازلات التي قدمها المفاوض الفلسطيني على مدار سنوات التفاوض، وانشغلت الاتفاقيات الموقعة مع الاحتلال "الإسرائيلي" بالإجراءات التفصيلية، دون إلزامه بتطبيق القرارات الدولية، كما لم يتم التعرض لأخطر القضايا الأساسية والمتعلقة بمستقبل: اللاجئين والقدس والمستوطنات والحدود والمياه والسيادة، بل تم تأجيلها إلى مرحلة المفاوضات النهائية. وشكل قبول ترحيل نقطة ضعف انعكست لاحقًا على سير العملية التفاوضية، وتحولها إلى حالة تجميلية لصورة المحتل الراغب في السلام.
وكان المفاوض الفلسطيني يقدم تنازلاته المجانية قبل دخول قاعة المفاوضات، متخليًا عن الحد الأقصى من المطالب، كما فقـد قوتـه بذهابـه إلى المفاوضـات دون ضمانـات دوليـة وسـقف زمنـى محـدد، مـا أضـاع فـرص التوصـل إلى حـل نهائـي للقضايـا العالقـة.
وعلى خلاف العمل المقاوم لحركات التحرر في العالم، فقد أسقط المفاوض الفلسطيني جميع الأوراق التي يمكن أن تدعمه، فلم يعد هناك أي مساندة من أشكال المقاومة الأخرى، كما طرحت ورقة العنف الثوري للمساومة قبل أن تبدأ المفاوضات. ويلاحظ في التجربة التفاوضية الفيتنامية أن الفيتناميين برعوا في استخدام جميع الإمكانات المتوفرة لديهم، من أكبر سلسلة جبلية حتى أصغر عود "بامبو"، ومن أعقد سلاح سوفييتي توفر لهم حتى أبسط بندقية صينية، وذلك للضغط على المفاوض الأميركي وإرهاقه وإرباكه. في المقابل فإن المفاوض الفلسطيني لم يجرؤ، حتى اللحظة، على استخدام الحد الأدنى من الإمكانات الطبيعية والبشرية والكفاحية المتوفرة لديه لتعزيز مركزه، وقدم التنازلات بصورة فادحة بعد أن بدّد أبسط أوراق القوة لديه.


مفاوضات بلا كفاءات
لم تتبع القيادة الفلسطينية مقاربة مقنعة في تركيبها للطواقم المفاوضة، بل تكرست الفردية والاستعراضية والتجريبية، وجرى التركيز على الرموز والأشكال للتعويض عن الخلل في الموضوع والمحتوى. ففي أحيان كثيرة جرى ضم أعضاء لم يكن لديهم الكفاءة المميزة، ولم يُعدُّوا سلفًا بشأن الملف التفاوضي، ولم يُعطوا تعليمات واضحة من قبل صاحب القرار، وفي أحيان أخرى استبعد أشخاص، ليس بسبب نقص في الكفاءة، لكن لتجنب عنادهم التفاوضي، بل وتم الاعتماد على شخصيات مغمورة إلى حد ما. وفي بعض الأحيان جرى اختيار خبراء كمفاوضين أقحموا في أخذ وعطاء تفاوضيين، بدلًا من أن يقتصر دورهم على دعم المفاوض في الأمور الفنية. كذلك تشير بعض الوثائق إلى أن تعليمات متناقضة أُعطيت للجان تفاوضية مختلفة، حتى أن مفاوضين عبروا عن مواقف متعارضة في الجلسة الواحدة!
ورغم اعتماد (م. ت. ف) على المفاوضات كخيار استراتيجي ووحيد لحل القضية الفلسطينية، إلا أنها لم تحرص على اختيار الدبلوماسيين وفق معيار الكفاءة، بل استمر اختيارهم وفقًا لمعيار الولاء بالدرجة الأولى، وبقي العديد منهم في مواقعهم لفترات طويلة، وقد مضى على فريق التفاوض عشرات السنوات دون تغيير. كذلك وبعد قدوم السلطة الفلسطينية استمرت طواقم الدبلوماسيين على المستوى المحلي والدولي في قيادة وإدارة العمل الدبلوماسي الفلسطيني، حتى بعد تشكيل وزارة الخارجية الفلسطينية واعتماد القانون الدبلوماسي الفلسطيني، وذلك رغم الانتقادات، ورغم الحاجة الملحة إلى وجود كفاءات دبلوماسية مهنية. 
يُلاحظ أيضًا عدم وجود اهتمام بالاحتياجات التدريبية الخاصة بكل دبلوماسي، أو إتاحة الفرصة للكوادر الشابة لتحمل المسؤولية في إطار عملها، أو تفويض الصلاحيات لها، كذلك النقص في الندوات الفكرية وحلقات التدريب، والاطلاع على كل جديد ومستحدث في عالم الفكر السياسي والعلاقات الدولية، وعلى كل المشكلات والقضايا التي تطرأ على الساحة الفلسطينية والعربية والدولية، وبالتالي إعطاء الفرصة لها ولإبداعاتها، لتكون قادرة على التعامل بروح العصر، واستخدام التكنولوجيا بأشكالها كافة، وتسخيرها لخدمة العمل الدبلوماسي.

اتفاق "أوسلو" أنموذجًا
اعتبر توقيع اتفاق "أوسلو" لحظة فارقة في العمل الدبلوماسي الفلسطيني، إذ ألقت المنظمة السلاح وجمدت العمل العسكري واعترفت بـ"إسرائيل"، ولم تُبقِ سوى على العمل الدبلوماسي كوسيلة لتحرير الأرض بضمانات من الرباعية الدولية، وتم اعتماد مبدأ وحدانية الخيار السياسي؛ أي أنه لا خيار أمام السلطة الفلسطينية سوى خيار المفاوضات ثم المفاوضات.
كذلك ظهرت ازدواجية التمثيل بين (م. ت. ف) والسلطة الوطنية الفلسطينية، حيث تضاربت الصلاحيات وتعددت مرجعيات العمل الدبلوماسي الفلسطيني، وبذلك تم تهميش عمل (م. ت. ف)، وتعززت هيمنة السلطة الفلسطينية على المؤسسات الدبلوماسية، وتراجعت معظم أشكال العمل الدبلوماسي الفلسطيني.
لقد افتقرت طواقم التفاوض في "أوسلو" إلى وجود خبراء في مجال القانون الدولي، أو من يملكون خلفية في أصول الدبلوماسية والتفاوض الدولي، وعُقد الاتفاق من خلال مفاوضين غير مؤهلين، فكان اتفاقًا غير ناضج وغير مكتمل، وتم على عجل، وتضمن تنازلات فلسطينية في قضايا أساسية، وكانت صياغاته فضفاضة، وغير قابلة للتنفيذ على الأرض.
كما افتقر مفاوضو المنظمة إلى الخرائط والأسماء والأرقام، ومما لا يصدق أنه في تلك المفاوضات كانت الخرائط والإحصائيات بيد الاحتلال، في الوقت الذي لم يكن لدى المفاوض الفلسطيني تلك الخرائط والأوراق اللازمة، وقد قرر الاحتلال حينها أي المناطق ستعطى للفلسطينيين فورًا، وأي المناطق ستبقي قيد المساومة فيما بعد.
كذلك افتقروا إلى لغة المداولات، فكان بعضهم لا يجيد اللغة الإنجليزية، وهي لغة الحوار التفاوضية الرسمية، والتي تصاغ بها الاتفاقيات الدولية الرسمية، وكذلك اللغة العبرية وهي لغة العدو الذي يفاوضونه، وكانت الطامة الأكبر في عدم تمكنهم من لغتهم الأم العربية، وعدم التفريق بين كلمتي (أراضي) و (أراضٍ)، وكلمتي (نواصي) و (مواصي)، وقد ظهر ذلك جليًا من خلال حديث "نبيل شعث" عن منطقة (المواصي) بمحافظة "خان يونس" –جنوب قطاع غزة- بلفظ (النواصي)، وللأسف فإن ضباط جيش الاحتلال هم من أعطوه الاسم الصحيح، فكانت بحق مفاوضات إذعان.
وتشير رواية "أحمد قريع" (أوسلو وأخواتها) إلى أن الفلسطينيين دخلوها دون خطة شاملة وواضحة، وأدارهـا أشخاص بلا خبرة ولا معرفة كافية، ويشير "قريع" إلى جهله بالتاريخ، وعدم قدرته على بحث البعد التاريخي للصراع مع "الإسرائيليين"، كما يبين أن القيادة العليا للمفاوضات، "عرفات" و"عباس"، لم يقوموا بقراءة تقاريره عن جولات التفاوض، وأنهم كانوا يدّعون التقدم في العملية السلمية، في حين لم يكن هناك سبب لادعاءٍ كهذا، ويتهم "قريع" الرئيس الراحل "عرفات" بـ"الفردية في اتخاذ القرارات.
لقد انتقد كثيرون المفاوض الفلسطيني عندما ظهر سلوكه كأنه تنقصه الرزانة والوقار والبروتوكول الرسمي مع مفاوضي الاحتلال داخل وخارج قاعات التفاوض، ومع الجنوح إلى أسلوب المفاوضات السرية، كان الأداء يتصف أكثر فأكثر بالضعف، وكانت الحصيلة دبلوماسية بلا ضوابط وبلا مرجعية، ومفاوضات بلا حدود وبلا معتقدات ثابتة، فكانت دبلوماسية الأبواب الخلفية أكثر خطورة من المفاوضات نفسها. في المقابل لم يكن هناك في طواقم الاحتلال من يدفعه هاجس النجاح الشخصي، أو الطموح السياسي، أو تحقيق المكاسب المادية، أو بناء العلاقات التجارية، أو تحرير الصفقات، بل كانوا يعملون وفقًا لأبسط قواعد المفاوضات، وهي أنه لا يجوز أن يكون للمفاوض أي مصالح شخصية.

خاتمة لا بدّ منها
لقد تزايدت فجوة عدم ثقة الرأي العام الفلسطيني بخيار المفاوضات وطاقم التفاوض نفسه، بعد وصول هذا الخيار إلى طريق لا يفضي إلى تحقيق البرنامج السياسي القائم على التمسك بالثوابت واسترجاع الحقوق، كما تؤكد وثائق المفاوضات التي سربت لوسائل الإعلام، وأظهرت تقديم تنازلات من مفاوضين لم يفوضهم الشعب لتقديمها، دون أن تبدي قيادة المنظمة استعدادًا لإجراء عملية مراجعة لنهج التفاوض الذي أفضى إلى ذلك.
إن التفاوض في الحالة الفلسطينية خارج عن سياقاته الموضوعية، وبالمنطق السياسي المجرد فإنه يفتقر إلى أوراق القوة اللازمة، فالدبلوماسية الفلسطينية لم تصنع النصر الموعود بعد، لكنها نجحت حتى الآن، على الأقل، في تبديد الكثير من أوراقنا التفاوضية المهمة بطريقة تدعو إلى الأسف والرثاء.
إن القوة وامتلاك أسبابها هي التي من شأنها دفع العدو اضطرارًا إلى السلم، وإن جنوح العدو للسلام والتفاوض، هو ثمرة للجهاد والمقاومة وامتلاك القوة، ومن يفكر بالتفاوض بعيدًا عن الكفاح المسلح، ودون أن يستثمر أوراق القوة لديه، فإنه سيذهب عمليًا نحو الاستسلام.
لذلك لا بد من إعادة قراءة الواقع الفلسطيني والإقليمي والدولي، والاستفادة من المتغيرات الاستراتيجية التي تعمل لصالح القضية الفلسطينية، والعمل على إعادة ترتيب البيت الفلسطيني، والابتعاد عن حالة التفرد بالقرار الوطني، ووضع برنامج وطني موحّد ومشترك يستجيب لطموحات الشعب الفلسطيني، وإعادة القضية الفلسطينية إلى محيطها العربي والإسلامي، واستثمار جميع أوراق القوة التي بأيدينا، وصولًا إلى التحرير والاستقلال بإذن الله تعالى.
*****