في "المعهد المصري للكبد".. التغطية المالية لمرضى غزة "شيك بدون رصيد"!

في "المعهد المصري للكبد".. التغطية المالية لمرضى غزة "شيك بدون رصيد"!
في "المعهد المصري للكبد".. التغطية المالية لمرضى غزة "شيك بدون رصيد"!

الرسالة نت - شيماء مرزوق    

 استفاق أحمد "اسم مستعار" من غيبوبته في مستشفى أبو يوسف النجار بمدينة رفح جنوب قطاع غزة، في 8 أبريل 2016 ليكتشف أنه يعاني من تليف في الكبد وبحاجة لعملية جراحية عاجلة في مصر.
حولت المستشفى تقارير أحمد الطبية إلى وزارة الصحة في رام الله لإجراء عملية جراحية في جمهورية مصر العربية لإنقاذ حياته، وفعلا تم تحويله بتاريخ 15 أبريل 2016، إلى المعهد القومي للكبد في المنوفية بمصر. 
وصل أحمد فكان رد المعهد "لا نعترف بالتغطية المالية للسلطة الفلسطينية!"
صدمت أم احمد، من سكان مدينة رفح جنوب القطاع، من رفض المستشفى المصري إجراء العملية إلا بعد دفع العائلة تكاليف العملية كاملة. 
وقالت "بمجرد أن وصلنا تفاجأنا أن المستشفى رفضت الاعتراف بالتغطية المالية من السلطة وطالبتنا بدفع تكاليف العلاج والتحاليل على نفقتنا الخاصة، رغم حصولنا على تحويلة طبية بتغطية مالية 100% من وزارة الصحة في رام الله للعلاج في مصر". 
لم تكن أم أحمد وحدها من اضطرت لدفع تكاليف العلاج لابنها ففي عام 2018 استقبل المعهد 38 حالة، ومن بداية عام 2019 استقبل 19 حالة من سكان قطاع غزة جميعهم صدموا بأن التغطية المالية التي حصلوا عليها من دائرة العلاج بالخارج التابعة لوزارة الصحة الفلسطينية بتغطية مالية كاملة وكأنها "شيك بدون رصيد". 
 "ادفعوا وبعدين بنعطيكم"
والدة أحمد طرقت أبواب السفارة الفلسطينية في القاهرة بعد أن طالبتها المستشفى بدفع تكاليف العلاج بالكامل، فكان رد السفير الفلسطيني في القاهرة دياب اللوح حسب ما أفادت "ادفعوا وبعدين بنعطيكم"، لكنها لم تكن تستطيع أن توفر المال الكافي لعلاج نجلها المكلف، فاضطرت لأن تطلب المساعدة من عائلتها في غزة وأن تستدين الأموال لإنقاذ حياته.
وتضيف أم أحمد، التي تستعد لجولة جديدة من العلاج برفقة ابنها المريض، أنها عند مراجعتها للمستشفى أبلغوها أن السبب امتناع السلطة عن تحويل المبالغ المستحقة وتراكم الديون، وعليها مراجعة السفارة، التي بدورها قالت لها بأنه يجب أن تحضر لمقر السفارة بالقاهرة لختم أي ورقة من المستشفى حتى يتم تعويضها عنها فيما بعد، الأمر الذي تعتبره أم أحمد مرهقا جداً للمرضى ومرافقيهم حيث ستضطر للسفر من المنوفية إلى القاهرة لختم ورقة تحليل أو أشعة، وهي مشقة كبيرة وتكلفة عالية. وتقول أم أحمد "بعد أن راجعت السفارة قالوا لي ادفعي على نفقتك الخاصة ومن ثم سنعطيك المبلغ المطلوب ولكن لم تتحصل منهم على شيء".
تحدثنا السيدة الأربعينية أن العلاج مكلف جداً وأنها كانت تضطر لدفع مبلغ يتجاوز 1500 جنيه مصري للتحليل الواحد إضافة لتكاليف السفر والسكن والمعيشة. 
وقد اصطحبت أم أحمد ابنها للعلاج ثلاث مرات وتستعد للسفر للمرة الرابعة لاستكمال العلاج، وهي تدرك أنها ستواجه المعاناة ذاتها.
حالة المريض أحمد تتطابق مع جميع مرضى الكبد الذين يتم تحويلهم للعلاج في مصر على نفقة السلطة الفلسطينية، حيث تتراكم الديون عليها وبالتالي ترفض المستشفيات التعامل مع التغطية المالية.
 أغلقنا الديون
تواصلنا مع د. زكريا اللوح مدير دائرة العلاج بالخارج التابعة للسلطة الفلسطينية في غزة، فأكد أنه لا توجد إشكالية وأن الأزمة فقط تتعلق بمرضى الكلى، وأن كل التفاصيل المالية لدى وزارة الصحة في رام الله، وهي الإجابة ذاتها التي حصلنا عليها من د. أشرف القدرة الناطق باسم وزارة الصحة بغزة والذي أكد أنه لا علم لدى وزارته عن أية مشاكل يتعرض لها المرضى خارج القطاع وأن الغالبية العظمى منهم ترفض الحديث عما يتعرضون له نتيجة حاجتهم المستمرة للعلاج.
وبعد التواصل مع د. أسامة النجار الناطق باسم وزارة الصحة الفلسطينية في رام الله، نفى وجود أي أزمة لها علاقة بالعلاج في المستشفيات المصرية وأكد أنه لا توجد ديون على السلطة الفلسطينية للمعهد أو أي مستشفى أخر وإنما المشكلة المالية لها علاقة بمعهد الكبد نفسه.
وأرجع أزمة الديون ورفض المعهد التعامل مع التغطية المالية للسلطة لخلل في رقم حساب المعهد، حيث يتم تحويل المبلغ المستحق من السلطة لهم لكن نظراً لوجود خلل في الحساب لا يتم استقبال المبلغ. 
كما نفى أي ادعاءات بوجود ديون مستحقة، قائلاً "قبل شهر من الآن أنهينا مسألة الديون وسددنا كل الأموال المتراكمة، والسفارة تتابع المشكلة عن كثب".
رواية صحة رام الله تطابقت مع ما قاله السفير الفلسطيني في القاهرة دياب اللوح الذي اعتبر أن المشكلة شبه منتهية بعد أن جرى تسديد الديون كاملة، وأن المرضى يتمتعون بخدمات طبية ممتازة.
وقال اللوح "لا توجد أي إشكالية في تغطية نفقة العلاج للمحولين من الصحة للمستشفيات المصرية والإشكالية فقط كانت مع معهد زراعة الكبد في المنوفية وهو الوحيد الذي تغطيه السلطة وحضرت لجنة من وزارة الصحة الفلسطينية واجتمعت مع المعهد وتم تحويل المبالغ المطلوبة وحل مشكلة المرضى والأزمة تم حلها جزئياً والجزء المتبقي في طريقه للحل".
وفي رده على شكاوى المرضى بأن المعهد يطالبهم بالدفع والعلاج على نفقتهم، أكد السفير اللوح أنه لم يدفع أي مريض نفقة علاجه والحالات جميعها يتم علاجها على حساب السلطة والخلل الفني في التحويلات انتهى، معتبراً أن الإشكالية تكمن في أن العدد الذي يحول للمعهد من مرضى الكبد الفلسطينيين كبير و"لذلك بدأنا بتحويل بعضهم إلى مستشفيات أخرى". 
إصرار الجهات الرسمية الفلسطينية على تأكيد انتهاء الإشكالية دفعنا للتواصل مع المعهد القومي للكبد في المنوفية بجمهورية مصر العربية، لنفاجأ بأن المعهد ما زال يرفض استقبال المرضى المحولين من وزارة الصحة الفلسطينية وأن المشكلة قائمة لأن السلطة ترفض تحويل الأموال. 
وأكد عادل سليمان مدير الإدارة العامة لحسابات المرضى في المعهد القومي للكبد في اتصال هاتفي مع "الرسالة" "السلطة لا تدفع نفقة علاج المرضى وهناك قرابة 900 ألف جنيه ديون متراكمة على السلطة لصالح المعهد لم تسدد حتى الآن".
 خلل فني
الناطق باسم وزارة الصحة في رام الله النجار عاد ليؤكد أن طاقما من الوزارة سافر إلى مصر لحل المشكلة مع المعهد وبقيت الأزمة قائمة نتيجة خلل فني لدى المعهد ولا علاقة للصحة الفلسطينية بالأزمة.
وفي رده على ما قالته الصحة الفلسطينية بشأن الخلل الفني في رقم الحساب الخاص بالمعهد أكد سليمان أنه تم تزويد السلطة برقم الحساب الصحيح والمؤكد ثلاث مرات، لكنها لا تريد تحويل المبلغ المطلوب و"جاءت لجنة من الصحة في رام الله قبل قرابة شهرين وزودناهم بأرقام الحسابات وكل الأرقام والمبالغ المالية بشكل دقيق وقالوا سننهي المشكلة ونحول المبلغ ولكن لم يدفعوا شيئا حتى الآن".
حديث النجار رفضه مدير حسابات المرضى بالمعهد الذي أكد أن المشكلة ما زالت قائمة قائلاً "مازالت الديون متراكمة وترفض السلطة تغطيتها"، مؤكداً أن تكلفة علاج الكبد مرتفعة جداً وتختلف من حالة لأخرى وبعضها قد يصل إلى 250 ألف جنيه خاصة في حالات زراعة الكبد ولا يمكن أن يتحملها المواطن العادي".
وتابع سليمان "المفترض أن السلطة هي من تتكفل بدفع نفقة العلاج ولكنها منذ أكثر من عام ترفض الدفع، ولا توجد أي اتفاقية بين المعهد والجانب الفلسطيني تنظم عملية العلاج والتحويلات ولم تناقش السلطة الأمر مع المعهد الذي قال انه ملتزم بعلاج المرضى الفلسطينيين في حال التزمت السلطة بالتسديد".
وقال سليمان "عملية الدفع المفترض أن تتم شهرياً ونقوم في المعهد بمخاطبتهم كل شهر ونطالبهم بدفع المبالغ المستحقة حتى يتم استئناف علاج المرضى دون أي استجابة وتمت مخاطبتهم 12 مرة، وجاءت اللجنة من السلطة عدة مرات وتعهدت بتوريد المبلغ ولكن دون فائدة".
وشدد سليمان أنه تمت مخاطبة السفارة الفلسطينية في القاهرة لكن السفير تذرع بأن الأوضاع صعبة وأنه لا تأتي أي أموال من رام الله حالياً، ولذلك فإن المريض الذي يحول للمعهد يقوم بدفع نفقة علاجه على حسابه الشخصي.
ولفت إلى أنه بعد مراجعة السفير الفلسطيني عدة مرات حول المرضى الذين بحاجة للعلاج ولا توجد أموال لتغطية نفقة علاجهم قال لنا حرفياً "دفعوا المرضى وخودوا منهم نقدي".
وأشار سليمان أنه ليس لديه مشكلة في علاج المرضى الفلسطينيين ولكن لن يقوم باستقبال المرضى إلا بعد تسديد المبلغ المستحق، وقال "نحن حالياً لا نقبل أي مريض يحول لنا من السلطة الفلسطينية وأوقفنا استقبال التحويلات منذ أن قال لنا السفير "حاسبوا المرضى نقدي" قبل عدة شهور.
ومع إصرار الجهات الفلسطينية بأن مشكلة مرضى الكبد في مصر انتهت، وفي إطار المتابعة جرى التواصل مجدداً مع معهد الكبد ليؤكد لمعدة التحقيق أنه حتى تاريخ 15/9/2019 تم تسديد جزء من المبلغ بقيمة 447 ألف جنيه من الديون المستحقة وبناء عليه جرى استئناف استقبال المرضى الفلسطينيين للعلاج في المعهد. 
 غزة بلا اتفاقيات
في يوليو 2019 وقعت وزيرة الصحة في رام الله مي الكيلة، في العاصمة الأردنية عمان، اتفاقية شراء خدمة مع مركز الحسين للسرطان، وذلك لتحويل مرضى السرطان، الذين لا يتوفر لهم علاج في المستشفيات الفلسطينية.
وقالت الكيلة أن الاتفاقية تنص على شراء الخدمة الطبية من مركز الحسين للسرطان في المملكة الأردنية، حيث سيقدم المركز بناء على ذلك خدمات تشخيصية وعلاجية، فيما يتعلق بالفحص السريري والمخبري والإشعاعي وعيادات الاختصاص الجراحية والأدوية والمستلزمات والمستهلكات الطبية، وغيرها من احتياجات المعالجة لأمراض السرطان.
وجاءت الاتفاقية بعد قرار السلطة الفلسطينية وقف التحويلات الطبية للمستشفيات الإسرائيلية والذي تأثر به بالدرجة الأولى مرضى غزة.
الاتفاقية مع الأردن لم توضح مصير مرضى أبناء قطاع غزة لكن د. النجار الناطق باسم الصحة برام الله قال انه سيشمل أهالي قطاع غزة في حال لم يتوفر لهم علاج في مصر، في المقابل لم تعقد الصحة الفلسطينية حتى كتابة هذه السطور أية اتفاقية مع الجانب المصري تنظم علمية التحويلات والعلاج في المستشفيات المصرية.
وأثناء البحث والتقصي في قضية التحويلات العلاجية اكتشفنا معلومة مفادها أن تغطية علاج المرضى الفلسطينيين في المستشفيات المصرية تسدده بالكامل جامعة الدول العربية، وهي معلومة أكدها السفير اللوح والناطق باسم الصحة برام الله، حيث قالا إن المستشفى الوحيد الذي تدفع له السلطة مباشرة من حسابها الخاص هو معهد الكبد والذي تراكمت ديونه المستحقة عليها منذ عام، ما يفتح الباب حول تساؤلات عن عملية تمييز تمارسها السلطة الفلسطينية بين المرضى في غزة والضفة.
وفي دراسة أعدها معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني "ماس" حول سياسات القطاع الصحي في الأراضي الفلسطينية في العام 2018 أكدت الدراسة أن أمراض الكبد من الأمراض التي تستقطع نسبة عالية من التحويلات للخارج؛ سواء من حيث عدد التحويلات، أو التكلفة المالية، وهي في المرتبة الثانية بعد الأورام التي تعتبر أكثر الأمراض التي يتم تحويلها للعلاج خارج فلسطين. 
 تقييم شامل
وبحسب التقرير الصحي السنوي لمركز المعلومات الصحية الفلسطيني 2016 ،2017، فقد بلغ عدد تحويلات شراء الخدمة من خارج مرافق وزارة الصحة في العام 2016 نحو 91.9 ألف حالة بزيادة مقدارها 4.9% عن العام 2015، وبزيادة مقدارها 23.1% عن العام 2014 .
وقد بلغت التكلفة الإجمالية لتحويلات العام 2016 نحو 566.7 مليون شيقل، بانخفاض مقداره 1.04% عن العام 2015. 
كما بلغ عدد التحويلات من الضفة الغربية 67.3 ألف حالة (بنسبة 73.2% من إجمالي التحويلات) وبتكلفة قدرها نحو 401.7 مليون شيقل، فيما بلغ عدد تحويلات قطاع غزة نحو 24.6 ألف حالة وبتكلفة قدرها نحو 164.9 مليون شيقل.
فيما بلغ عدد التحويلات إلى المستشفيات المصرية 1.76 ألف حالة وهذا يعادل 1.9% من
إجمالي التحويلات، وقد كانت معظمها لمرضى من سكان قطاع غزة، وقد بلغت تكلفتها الإجمالية 2.84 مليون شيقل، في حين بلغ عدد التحويلات إلى المستشفيات في الأردن 50 حالة بنسبة 0.05% من إجمالي التحويلات، وبتكلفة تقدر بـ 247 ألف شيقل.
مسؤول سابق في وزارة الصحة الفلسطينية في رام الله رفض الكشف عن اسمه أكد أن أزمة الديون المستحقة على السلطة قديمة جديدة، والأصل أن تتابع الوزارة أوضاع المرضى الذين ترسلهم للعلاج في الخارج حتى لا يدفعوا ثمن أزمة الديون. 
وقال في حديث خاص "بالرسالة" "طالما أصدرت وزارة الصحة التحويلة الطبية فهي مسئولة عن متابعتها، أما أن يتحمل المريض مشقة السفر ليدفع في النهاية نفقة علاجه فهذا يعني أن المريض يتعرض لخداع وكأن السلطة تصرف له تغطية بدون أموال وتصبح أشبه بشيك بدون رصيد". 
وتابع أن الأزمة مستمرة ومتجددة والحل يحتاج إلى معالجة على مستوى سياسي كبير وعقد اتفاقيات تحمي المرضى الفلسطينيين وحقهم في العلاج، لأن الديون في النهاية تسدد ولكن المريض هو من يدفع الثمن".
واعتبر أن العلاج في الخارج من حيث التحويلات والتكلفة بحاجة إلى عملية تقييم شاملة، واجراء اتفاقيات مفصلة بين الجانبين وهي ضرورة ملحة لحل المشاكل التي يتعرض لها المرضى، وبدون اتفاقيات تتطرق لكل الجوانب التحويلية ستبقى القضية عالقة.
وبحسب قانون التأمين الصحي الفلسطيني للعام 2004 المادة "3" فإن وزارة الصحة ملزمة بتوفير الخدمات الصحية للمشتركين من خلال مراكزها ومستشفياتها، ومن خلال شراء الخدمة من المزودين
الآخرين أيضاً في حال عدم توفرها في مرافقها. كما جاء في نص البند الثاني من مادة  (13)في قانون الصحة العامة الفلسطيني رقم (20) لسنة 2004م "على الوزارة توفير العلاج المناسب مجاناً للأمراض الوبائية التي تحددها".
استمرار أزمة الديون المتراكمة والتحويلات بلا رصيد إلى جانب عدم عقد أي اتفاقية تنظم عملية العلاج في المستشفيات المصرية لضمان حصول مرضى قطاع غزة على حقهم في العلاج، تطرح علامات استفهام حول التمييز الذي يجري في تقديم الخدمات الطبية بين مرضى غزة والضفة، وتضع وزارة الصحة الفلسطينية أمام حاجة ملحة لعملية تقييم شاملة لقضية التحويلات في الخارج.
 

أنجز هذا التحقيق بدعم من فلسطينيات