"صانعو الجمال" حكايا ومخاطر تنقلها "الرسالة"

e65001e0-ed92-41bc-bf5b-4bdac08610b0.jpg
e65001e0-ed92-41bc-bf5b-4bdac08610b0.jpg

غزة – مها شهوان

" ألو.. يلا جهز حالك في منخفض" هذه الرسالة التي تصل إلى عمال النظافة في فصل الشتاء حينما يكون الجو ماطرا، فيتركون عوائلهم ويخرجون لتفقد مصافي المجاري المترامية على الطرقات لتنظيفها من أكياس النايلون والرمال لتستوعب مياه الأمطار بدلا من انسدادها وغرق الشوارع والبيوت.

كل إنسان له قصة، فما بالك لو كان من عاملي النظافة الذين يتحدون مخاطر الشتاء للعمل في المنخفضات، فمعظمهم يقضي ليال طوال في البرد القارس قرب المصافي، فيقابلون بإحسان أو بالسيئة من المواطنين.

بدا الجو صافيا صباح ذلك اليوم، لكن سرعان ما تلبدت السماء بالغيوم، وقفت سيارة البلدية في أحد الشوارع الرئيسية لقطاع غزة ونزل شاب بزيه الكحلي ليتفقد مصفاة كبيرة، حاول نزع أكياس النايلون وألقاها في حاوية القمامة ثم صعد مع رفاقه إلى العربة ليكملوا عملهم، ذلك المشهد دفع "الرسالة" للنزول والتعرف أكثر على كيفية تأثير عمل هؤلاء على علاقاتهم الاجتماعية.

في مكب نفايات اليرموك يتواجد عمال النظافة التابعين لبلدية غزة، يعملون وسط الروائح الكريهة لترحيلها إلى مكب جحر الديك شرق قطاع غزة، الكل أبدى استعداده بداية الامر للحديث عن مهنته، لكن في النهاية لم يتبق سوى ثلاثة.

عمر عليان رئيس شعبة متابعة الاليات يشرف على عمال في بلدية غزة، يقول إنه يعمل في البلدية منذ 28 عاما أي مذ كان عمره 14، واصفا عمله بالشاق الذي لا يمكن الاستغناء عنه كون حياة المواطنين أمانة في اعناقهم.

الأربعيني عليان بمجرد سؤاله عن أبرز المواقف التي أثرت فيه خلال عمله، سرعان ما دمعت عيناه وهو يروي قصة وقعت قبل سنوات حينما وقع منخفض الكسا ديسمبر 2012، ذهب برفقة العمال إلى منطقة شارع يافا لإنقاذ شقيقتين كانتا تعيشان في "بدرم" غرق من السيول، إحداهما تبلغ 58 عاما تحمل شقيقتها الستينية على مجلي المطبخ وتحشرها في الزاوية خشية وصول الامطار.

يقول:" المشهد مبكي ولم أتوقع أن أعيشه ولو لحظة (..) تم انقاذ السيدتين ووضعهما في بيت جارهما، ومن ثم شفط المياه من البيت".

ومضى بقوله: منذ ثماني سنوات لم أحظ بإجازة شتوية أقضيها برفقة ابنائي، فأنا لا أستطيع التوقف عن العمل الذي اعتدت عليه، مؤكدا أن خدمة الناس أصبحت متعة لكن ما ينغص عليهم معاملة بعض المواطنين الذين يقذفونهم بأبشع الالفاظ، في حال لم يرضهم العمل.

وخلال حديثه كرر جملة " ربنا برفع عني كتير عشان خدمة الناس".

عليان تحدث "للرسالة" عن أبناءه الذين يفتقدونه في أجواء الشتاء، بمجرد أن يخرج بعد دوامه ليلا مرتديا زيه سرعان ما يسألونه صغاره "وين يا بابا ع الشتا رايح"، أما صغيرته ريماس التي تبلغ من العمر ثماني سنوات فهي تلحق به بقبعته الصوف طالبة منه أن يرتديها لتحميه من البرد.

بالقرب منه يجلس حسين الترامسي -30 عاما- أب لأربعة أطفال، يعمل في البلدية رغم أنه أنهى ثلاث سنوات من دارسته الجامعية في قسم اللغة العربية.

لا يجد حرجا من عمله فهو يدرك تماما رسالته، لكنه ينزعج كثيرا كحال زملاءه من انتقادات المواطنين التي تلاحقهم حين يسمعونهم "اشتغل كويس احنا بندفعلكم فلوس"، فيقول لـ "الرسالة ": أوقات الناس تجبرنا نرفع شغلات ما بتتعلق بشغلنا.

ويروي الترامسي أن صغاره يقدرون عمله، لاسيما في فصل الشتاء حين يتأخر مدة يومين، يتصلون عليه للاطمئنان خاصة حينما يسمعون صوت الرعد المصاحب للبرق، وعند عودته يستقبلونه بحفاوة.

وتحدث عن تعامل المواطنين في المنخفضات وقال:" لا أريد التطرق الى السلبيين منهم، لأن هناك أشخاص يقدرون عملنا ويحضرون لنا المشروبات الساخنة"، مستحضرا موقفا حدث معه حين كان يراقب أحد المصافي ليلا واضطر ليزوي نفسه بجانب أحد البيوت ما دفع صاحب البيت لمناداته والجلوس برفقته أمام كانون النار وتناول الشاي حتى هدأ المطر.

طيلة حديث الترامسي، راقبنا الشاب العشريني "محمد" الذي حاول التهرب لكنه عاد وطلب الحديث بعدما ارتدى الزي الخاص بالمنخفضات، ليحكي بكلمات سريعة "مجرد أن يبدأ المنخفض ألغي كل التزاماتي (..) أسكن قرب أحد المصافي الكبيرة شرق مدينة غزة، أذهب سريعا واضعا قبعتي لا أفضل أن يراني أحد من سكان الحي".

يصمت ثم يكمل:" لا أخجل من مهنتي لكني لا أحب تعليقات بعض الجيران التي تتجاوز حد الأدب، خاصة حينما يتعاملون وكأنني أعمل لديهم"، متابعا: أحب عملي فهو مصدر رزق صغاري، لذا لا يهمني البرد الشديد.

ويستذكر مواقف أبناءه عند عودته بأنهم يقبلون عليه لمعانقته، ويأخذون الشوكولاتة، ومن ثم يسألوه عن حاله خلال العمل تحت المطر، فسؤالهم يزيح عنه تعبه الذي يتواصل لأيام بحسب قوله.

حكايا كثيرة يخبئها "صانعو الجمال" كما بات يطلق عليهم مؤخرا، والذين يبلغ عددهم 50 عاملا في مدينة غزة وحدها، يعملون في ظروف جوية سيئة وبإمكانيات بسيطة معرضين حياتهم للخطر من أجل انقاذ أرواح المواطنين من الأضرار التي تخلفها المنخفضات الشتوية.

 

e65001e0-ed92-41bc-bf5b-4bdac08610b0.jpg
 

 2d62b593-d8b6-4444-ac35-5236efa13a22.jpg
 

d39a9f19-e94f-466e-85e0-9c35d707c4bf.jpg