في جنين

القصة ليست " الزبيدي" بل جنين التي يصعب كسرها  

زكريا الزبيدي
زكريا الزبيدي

غزة- رشا فرحات

قبل أسبوعين، تعرض محمد الزبيدي ابن الأسير زكريا الزبيدي إلى ملاحقة وضرب، وهو برفقة خاله على أحد الحواجز الإسرائيلية، وبالأمس أظهرت تسجيلات فيديو نُشرت عبر شبكات التواصل، اعتداء قوات الأمن الفلسطينية بالضرب على محمد الزبيدي نجل الأسير زكريا الزبيدي وعلى صديق له، ثم اقتياده إلى سيارة شرطة.

هذا الاعتداء جعل الأمور تتطور في الضفة الغربية، فأطلق مجهولون النار تجاه مبنى المقاطعة بعد الاعتقال بفترة قصيرة، وعلى الرغم من الإفراج عن محمد الزبيدي إلا أن إطلاق النار نحو مبنى المقاطعة تواصل حتى ساعات الفجر الأولى نفذه ملثمون من مخيم جنين.

وفي ذلك أفاد أمين سر حركة فتح في جنين عطا أبو ارميلة بأنه رغم المتابعة والإفراج عن الزبيدي إلا أن ذلك لم يقنع أهالي مخيم جنين ولم يقبلوه، فقد أثارت المشاهد المصورة للحظة الاعتقال والضرب العنيف الذي تعرض له الفتى، سخط العائلة وأهالي المخيم، الذين هبوا إلى بيت عائلة الزبيدي معلنين تضامنهم.

ومنذ حادث مقتل الناشط نزار بنات والضفة الغربية على فوهة بركان، ما يجعل المشهد منقسماً على نفسه مفرزاً آلاف المشاهد، وكلها يتوجها العنف والقلوب المليئة بالغضب على تصرفات السلطة التي فاقت الحد المعقول.

فتحي بوزيه، الكاتب والمحلل السياسي، يقول "إن ما يجري اليوم هو امتهان لكرامة الفلسطيني ولا يصلح الحال إلا بأن يسمح للجميع بالتعبير عن وجهة نظرهم دون عنف أو ضرب، وهذا الحادث الذي حصل بالأمس مدان بكل لغات الدنيا ونحن الفلسطينيين كُسرت عظامنا على الصخر بالصخر، فيجب أن يخرج من تفكيرنا وعقلنا وأخلاقنا هذا النوع من العدوان والاعتداء الوحشي على أي شبل أو طفل من أبناء شعبنا".

يلفت بوزيه إلى أن الضفة اليوم تعيش تحت احتلال، ولا يمكن القبول أن تكون الدولة الفلسطينية المنشودة بوليسية، ويجب أن تكون دولة تحترم الرأي الآخر وحرية الفرد وحقوق الانسان لكيلا يتم هدم الشاب الفلسطيني القوي الذي كان قادراً على المواجهة والاستمرار والمقاومة طوال السنوات الماضية.

في جنين تحديداً، هناك توترات فرضها المشهد منذ هروب زكريا الزبيدي ثم اعتقاله، ووصولاً إلى جنازة الشيخ وصفي قبها، وما حدث من أعمال عنف ضد المشيعين ارتكبتها قوات الأمن التابعة للسلطة.

وفي الفترة ذاتها، أجرت قيادة الأجهزة الأمنية الفلسطينية حركة تنقّلات لقادة الأجهزة الأمنية في محافظة جنين، في محاولة للسيطرة على حالة المقاومة في المدينة، وتخوفاً من عاصفة تأتي من مخيم جنين كالمعتاد، حيث القلوب والعقول التي يصعب تغييرها وكسرها.

عماد أبو عواد، الصحافي والكاتب الفلسطيني، علق على ما يدور حوله في الضفة الغربية وتحديداً في مخيم جنين بالقول: "القصة ليست قصة ابن زكريا وإنما نهج زكريا الزبيدي، والسلطة تسعى إلى إعادة ضبط المخيم، وتحويله لما يجب أن يكون من وجهة نظرها، وهي تغير في قياداتها الأمنية في جنين بين الوقت والآخر لأن كل قيادة يصعب عليها ضبط أهالي جنين بما يتناسب مع أهداف السلطة.

 

ويرى أبو عواد أن المشهد يقول إن السلطة تريد قمع كل حراك يقترب من المقاومة ويمس بأمن إسرائيل، وهو الذي جعل السلطة تفقد السيطرة على تصرفاتها وتنتهج نهجاً على غرار ما فعلته مع محمد الزبيدي.

هذا الخوف الذي يظهر في سلوك السلطة أفقدها السيطرة على طريقة تصرفها، كما يقول أبو عواد، وخوف آخر من الضغط الإسرائيلي، وهي تقع بين خوفين، مضيفا: "لذلك بتنا نرى بوضوح أن السلطة ذاهبة بعيداً في هذا الملف وتحمل نوايا سيئة تجاه جنين تحديداً".

يرى أبو عواد أن القادم أسوأ، وبأن الأوضاع منذ مقتل نزار بنات تتفجر تدريجياً بسبب سلسلة سلوكيات من السلطة سوف تقود إلى مواجهة بين السلطة وبين تيارات مقاومة تحديداً من فتح، وهذا يمكنه أن يؤدي إلى فلتان كبير بطريقة أو بأخرى.

ويلفت أبو عواد إلى أن السلطة وصلت إلى مرحلة الدفاع عن المشروع الشخصي أو اقتصادي، وليس المشروع الوطني ويقود هذا المشروع الشخصي بعض المستنفعين الذين لم يعد لهم ارتباط بأي حزب مقاوم أو أي حركة، وإنما لديهم فقط أهداف اقتصادية فردية تواجه صراعاً مع فتح واليسار وحماس.

ويختم أبو عواد قائلاً: "إن من يقود المواجهات اليوم في برقة وفي مناطق الضفة المتأججة هم أبناء فتح الذين خرجوا قبل أيام يهتفون لمحمد الضيف، وهذا مؤشر خطير على السلطة أن تستوعبه، لأن معارضتها الأولى هي من داخل فتح.