شهداء نابلس..  ثلاث رصاصات في وجه السلطة

الشهداء الثلاثة في نابلس
الشهداء الثلاثة في نابلس

الرسالة-رشا فرحات

أشرف المبسلط، ومحمد الدخيل، وأدهم مبروكة، ثلاثة شباب أصغرهم لم يتجاوز الواحدة والعشرين، وأكبرهم لم يكمل ستة وعشرين، أثاروا فزع دولة الاحتلال التي تخاف من رصاصات مهربة في جوف الليل، وقد أخذت الضوء الأخضر لاغتيال أي صوت للحق.

ثلاثة ناموا نومتهم الأخيرة في سيارتهم على قارعة الطريق في منتصف نابلس، اغتالتهم قوات الاحتلال في منتصف النهار وعلى مرأى من الجار الجنب، والصاحب بالجنب، وأولياء الأمر، ومن يدّعون أنهم رفقاء السلاح، والمدافعين عن سياسة التنسيق الأمني، التي ظهرت في هذه الجريمة بأعلى تجلياتها.

أشرف - وحيد أمه-  جلس أبوه أمام الباب ينتظر عودته فعاد شباب الحي مكبرين يحملون جثمان الوحيد، نظر إلى الكاميرا وقال: "أمه لا تنام، أمه تنتظره، ماذا سأقول لها".

ولم يقل والد أشرف للأم شيئاً، سلمها الجثمان فتوقفت، وحمدت الله وشكرته على ما أعطى، ثم على ما أخذ، ثم سُحبتِ الأمُّ كجثمانٍ آخرَ بعد أن ألقت نظرة الوداع على قطعة من القلب.

جدته تتغزل بجمال وجه حفيدها الذي اختار الآخرة ولم يكترث للدنيا، قالت إنها ذهبت لتراه قبل وفاته بيوم، لتصنع له "شوشبارك" الأكلة التي يحب أن يأكلها الابن المدلل الذي لا يُرفض له شيء، والذي لخص دنياه بسلاح قديم يقاوم به ما استطاع أن يقاوم. "أجا يودعني وأنا بقله بدنا نخطبلك يا ستي بقلي بس الاقي شغل يا ستي".

أما محمد الدخيل فله قصة أخرى، فقد أهدر الاحتلال دمه بكل وقاحة، حينما هاتفه الجندي الإسرائيلي مصرحاً لا ملمحاً "سنلتقيك جثة، أنت عامل حالك بطل، أنا حشرب من دمك، حتى السلطة بدها تغتالك" فيرد ساخرًا: "تعليش صوتك واحكي منيح معي أنا بدي أموت شهيد مش شايف الأكبر منك".

والد محمد الدخيل علق: "ما أُخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، هدا السلام تبعكم ضحك على اللحى، هذا احتلال لا يعرف سلاما لا يريد سوى تهجيركم، يجب أن تصحوا من نومكم، أنتم في زمن الرويبضة يجب أن تستيقظوا، وإذا أنتم متوقعين أن الاحتلال سيعطيكم شيئا، فأنتم مجانين".

لم يجد الرفاق في جيب محمد الدخيل سوى هوية وورقة، كتب عليها تذكيراً بركعات سنن صلواته الخمس، زاد أخير يحمله من قرر خاتمة تليق بحياته.

أما والدة أدهم: مبروكة، فقد حملت صغيرها العظيم على كتفها، لأن أمهات الرجال أكتافهن صلبة، وأهل للحمل الثقيل، لأنها وحدها تعلم تاريخاً طويلاً لهذا المحمول على أكتافها، وأمانة ثقيلة دفعها من عمره قبل أن يسجى، ما جعل هذه الأم تهتف هتاف الفرح في المستشفى وهي تودعه وتحمل سلاحه لتطلق رصاصة فرح، لأنها وحدها توقعت خاتمة مشرّفة لابنها كما ينبغي لحياة بطل أن تنتهي.

بتول كوسا، صحافية صورت المشهد الذي لم ينتبه له أحد، بعد الجريمة مباشرة من حي المخفية، إذ قالت إن هناك سيارة نقل عمومي مليئة بجنود الاحتلال وكانت واقفة على قارعة الطريق، ولم ينتبه لحقيقتها أحد، لأن جميع من فيها كانوا يرتدون الزي المدني.

أسرعت السيارة الصفراء نحو سيارة فيات بلون فضي وأطلقت ثمانين رصاصة كالمطر على الشباب الثلاثة الذين كانوا داخل السيارة، دون أن يقاوم أي منهم، ولم تنسحب ولم تتحرك سيارة القتلة إلا حينما تأكدت من نجاح جريمتها، أمام مرأى الجميع في فترة الذروة.

نددت الفصائل بالعملية، ودعت كتائب الشهداء ولواء الشهيد نضال العامودي مقاتليها في الضفة الغربية للرد على الاحتلال، بينما اشتعل النفير العام في كل الأصوات، وحمل الجميع مكبرات الصوت. أما السلطة الفلسطينية فتحدثت، كالعادة، بلغة العاجز المستسلم، وطالبت بفتح تحقيق دولي في الجريمة، لغة تعوّد الجميع سماعها، لغة الذي يتكلم مع عدوه دون أن يحمل سلاحاً، فلا كلماته تسمع، ولا صوته يعلو.