في عيد الأضحى.. غزة قبلة المغتربين

الرسالة نت– مها شهوان

منذ خمسة عشر عاما، بقيت العائلات الغزية تجتمع في أعيادها بفرحة منقوصة لغياب أحد أفرادها المغتربين، ورغم أن شاشات الهواتف الذكية كانت تجمعهم إلا أن اللقاء هو مؤنسهم الحقيقي.

فالحصار وإغلاق معبر رفح المصري لشهور طويلة، ومن ثم جائحة كورونا، كانت أسباب جعلت المغتربين يعزفون عن المجازفة بزيارة أهاليهم في قطاع غزة، خشية أن يعلقوا داخله مدة طويلة فيخسرون أعمالهم.

هذا العيد تبدلت الأحوال وتحسنت الأوضاع على المعابر، فكانت مدينة غزة قبلة المغتربين، وتوافد العشرات منهم للاحتفال بالعيد وذبح الأضاحي برفقة عوائلهم وأقاربهم، فهذه الفرحة لطالما بقيت مؤجلة.

مع اقتراب العيد شهدت الأسابيع الأخيرة توافد العشرات من الأسر المغتربة في أوروبا ودول الخليج بعد غياب عن أرض القطاع لأكثر من عشر سنوات، ورغم صعوبة الطريق والتكلفة الباهظة لدخول البلاد إلا أن الجميع آثر قضاء عيدهم برفقة الأهل.

عبر مواقع التواصل الاجتماعي وبشكل يومي تتصدر فيديوهات الاستقبال للمغتربين، فتبقى العائلة تنتظر ابنها وأسرته على بوابة معبر رفح حتى منتصف الليل وبمجرد وصول السيارة التي تقلهم يتسابق الجميع لاستقبالهم بالأحضان والزغاريد.

حالة رصدتها "الرسالة نت" للستيني أبو أحمد الذي يرتدي جلابيته البيضاء ويقف في حالة استعداد لتفتح بوابة معبر رفح بانتظار خروج ابنه "مصطفى" الذي تغرب منذ 9 سنوات، وما إن ظهرت السيارة يهرول نحوها برفقة أولاده وأولاد أشقائه ظانا أن ولده فيها، لكنه يتراجع حين يرى ملامح مختلفة فيعود يكمل التسبيح وعيونه في حالة ترقب.

بعد ساعة من الانتظار خرج "مصطفى" الذي عاد لتوه من بلجيكا، تسمر الأب مكانه وسجد كونه عاش ليكتحل برؤية آخر العنقود كما يقول.

تحسس الأب ملامح ابنه الذي بات في أوائل الثلاثينيات من عمره، فلم يعد الصغير الذي يركن على أبيه بل عاد إليه راشدا يحمله الشوق لعائلته دون أن تغير عواطفه الغربة التي يقولون إنها "تقسّي القلب".

بعد يوم من عودة ابنه، لم ينم الأب وزوجه فطيلة الوقت يرقبون ابنهم وهو نائم وينتظرون أن يفيق ليلتم شملهم بعد سنوات طويلة على مائدة الإفطار ويقصون الحكايات والمواقف اليومية التي يمرون بها.

يخبر الأب أن ابنه اعتاد منذ سفره وحصوله على فرصة عمل أن يرسل المال لشراء الأضحية، لكنه أصر على ابنه هذا تقضية العيد معهم، وقرر الذهاب برفقته للمزرعة وشراء أضحية العيد.

ويعلق الأب: "رغم تكاليف السفر المرهقة التي تكبدها ابني للوصول إلى قطاع غزة، إلا أنه أرضى والديه بقضاء العيد برفقة العائلة".

وفي شمال القطاع كانت هبة وجيه – 39 عاما- على موعد مع عائلتها التي لم ترها منذ 17 عاما، فحين خرجت من القطاع عروسا لتزف إلى عريسها عادت برفقة 4 من أبنائها أكبرهم غدا شابا، سيراهم أقاربهم لأول مرة بعد إقامتهم في سلطنة عمان دون أن يقابلوا أحدا طيلة تلك السنوات.

تقول: "رغم أن الطريق متعبة، إلا أن رؤية أهلي أزالت تعب الطريق (..) بكيت كثيرا حين دخلت قطاع غزة الذي اختلف كثيرا عن قبل رغم حداثة العمار والتطور فيه، لكن مشاهد ما تبقى من الركام والقصف أوجعني كثيرا، وكذلك وفاة واستشهاد الكثير من الأقارب أوجعني".

وتابعت وهي تحتضن والديها: عشت مع عائلتي عبر شاشة الهاتف مناسبات كثيرة وشاركتهم الأفراح والأحزان لكن دوما كان هناك غصة كبيرة تطاردني وأردد "يا ريت انا معهم"، مضيفة: سعادتي اليوم لا توصف فرأيت أشقائي كبروا وأصبح لهم بيوت وأولاد كبار.

وتكمل وهي تمسك بيد والدتها وتمسح على وجهها: "سأحضر زفاف شقيقي، فجميع إخوتي تزوجوا حين كنت في غربتي لكن هذه المرة قررت حضور العيد برفقة الأهل وكذلك المشاركة في المناسبات".

تدخل ابنها الكبير يحيى ليعلق بلهجة ممزوجة بكلمات عمانية: "سعيد جدا بعائلتي الكبيرة (..) أتمنى قضاء عطلتنا الصيفية في غزة فهي الأجمل من حيث الطبيعة والناس"، مضيفا: متحمس جدا وأخوتي لحضور أجواء عيد الأضحى في غزة".

وإلى حكاية مغترب آخر، وهو إسماعيل سليم الذي عاد قبل 3 أسابيع لقطاع غزة قادما من كندا برفقة زوجته وطفليه، يقول إنه منذ دراسته وهو يقيم في الخارج وحين تزوج كان يأتي قليلا لقطاع غزة لوحده دون أبنائه.

يحكي أن صغاره اعتادوا على الحياة في كندا وعدم تجمع عدد كبير من الناس، مما جعلهم في بداية الأمر لا يتقبلون الوضع ويلحون عليه بالعودة.

ويكمل حديثه ضاحكا: بعد أقل من أسبوع، حين أفتقد أيا من أبنائي أجده عند الجيران أو الأقارب، وبالكاد يقبلون العودة للبيت لدرجة أنهم حفظوا الأماكن المحيطة، فرغم أن الصغار يسخرون لحديثهم بالعربية الثقيل إلا أنهم يلحون علي للبقاء في غزة.

ويعلق ساخرا: "حين أفتقد أبنائي أجدهم برفقة أبناء الجيران في البيت المجاور يطعمون العجل "أضحية العيد"، وباتوا يأتون بمصطلحات غزية (..) هذا يفرحني كثيرا ويشجعني على المجيء كل عام في حال بقي معبر رفح مفتوحا، مضيفا: مهما كانت الحياة في أوروبا إلا أن مشاركة الأهل الأفراح وطقوس الأعياد تجعل الصغار متمسكين بعوائلهم وبلدهم"