الوريث الوريث

التطبيع مع الكيان الصهيوني وتأثيره على موازين القوى في المنطقة

خالد القدومي
خالد القدومي

خالد القدومي

بداية وقبل البدء من المهم التأكيد على بعض المفاهيم التي ينطلق منها البحث. فالتطبيع أو مشاريع تصفية القضية الفلسطينية ليست بالجديدة وفي نفس الوقت فإن التطبيع في حلته الجديدة لابد من التعامل معه بجدية وبمنطق يتناسب مع الظروف الراهنة والمعقدة التي تمر بها القضية الفلسطينية والمنطقة.
عند الحديث عن التطبيع مع الكيان الصهيوني فإن هناك بعداً عقدياً وتأصيلياً راسخاً اتجاه هذا الكيان لابد أن يكون نقطة الانطلاق في أي حوار، وأن لا يتم تناسيه أو التغافل عنه في ظل أي مناورة أو مقاربة سياسية يسوقها البعض حتى من باب المصلحة. هذا البعد لنا نحن كفلسطينيين وأصحاب فكر المقاومة لا يمكن لنا أن نتجاهله، فنحن لا نقبل الكيان ووجوده على أرضنا ناهيك عن التطبيع معه بأي شكل ومن أي جهة كانت وعلى أي مستوى، فإن التطبيع يمثل ضرراً استراتيجياً للقضية الفلسطيني، ويؤدي إلى شرعنة الاحتلال ويعزز قدرته على استمرار عدوانه على شعبنا، ويميع قضيتنا ويذيب منطلقاتها الأصيلة والحقة، ولا يمكن لأي تأويل، أو ذريعة ومنها الحديث عن المصلحة الفلسطينية والتسهيل على شعبنا الفلسطيني وتقديم المساعدة له، أن تبرر التطبيع مع مغتصب الأرض ومنتهك المقدسات. 
في زمن تقدم المقاومة والقضية الفلسطينية وما رشح عن المواجهة مع الاحتلال وخصوصاً في معركة سيف القدس المباركة في العاشر من أيار 2021، التي تم فيها تحقيق هزيمة للاحتلال الصهيوني، وعزلة له على المستوى الدولي، وفشله السياسي المتعاقب وأزماته الداخلية العسكرية والأمنية والسياسية، وتقدم الرواية الفلسطينية دولياً على الصعيد الإنساني ورشد المقاومة ووحدة شعبنا في مواجهة المحتل ومقاومته، كل هذه العوامل لابد من أخذها بعين الاعتبار عند الحديث عن التسويات والتحالفات على مستوى المنطقة، فنحن لسنا في كامب ديفيد، ولا في زمان أوسلو، بل نحن اليوم في زمن انتصارات المقاومة فلا يجب الرجوع إلى الوراء وإحياء موات الكيان الصهيوني، الذي يعيش حالة ضعف سياسي وثغرات أمنية وعسكرية، ويعيش نفسية الأفول الصهيوأمريكي. فشبابنا اليوم منتفض في كل الوطن الفلسطيني، ومن غير الممكن أن نسمح لمشاريع التراجع والهزيمة أن تعود إلى السطح مرة أخرى.

أما تأثير التطبيع على موازين القوى في المنطقة فيمكن إجمال الحديث عنه في العناوين التالية:
أولاً: وقد مر عامان على اتفاق أبراهم المشؤوم والعلاقة الدبلوماسية العلينة بين الكيان وبعض الدول العربية، من المناسب استحضار التغيرات الإقليمية والدولية التالية وأشير لها باختصار:
ضعف وتراجع المشروع الأمريكي في المنطقة، والهزائم المتعددة له، سواء عسكرياً مثل انسحابه من أفغانستان وغيرها من المناطق، وسياسياً كما شهدنا في فشل أهداف زيارة بايدن إلى المنطقة، وعدم تمكنه من أخذ أي تعهد اتجاه العلاقة مع الكيان أو حماية أمنه، أو تدشين أي مشروع تطبيعي جديد حتى اللحظة.
في المقابل وكردة فعل صهيوأمريكية، تحاول هذه القوى من خلال برنامج التطبيع الجديد، إعادة الدخول إلى المنطقة، على قاعدة إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية وأن تؤدي ذلك إلى نتيجتين استراتيجيتين، الأولى سيطرة وهيمنة الكيان الصهيوني على كل مكونات الإقليم، والثانية شيطنة وتجريم الفلسطيني وفكره المقاوم.

ثانياً: نتيجة لذلك، تتجه موازين القوى على المستوى الإقليمي كما يلي:  
توسيع نطاق الأمن القومي الصهيوني من البحر الأحمر إلى المتوسط إلى الخليج كمكون جديد للمنطقة يراد له أن يسود وأن يفرضوه على المنطقة، مقابل المشاريع الإقليمية المحلية الأخرى وهي إيران وتركيا ومداراتها.
تشكيل تحالفات غير طبيعية في الإقليم، بناء على مفاهيم امتلاك القوة على طريقة مواجهة التهديدات المحتملة باستخدام ما يمكن تسميته  BandWagon أو  Patron Client relationshipبين دول ترى أنها صغيرة ولابد لها من حماية من مكون قوي غريب عن المنطقة يحميها حتى من دولة شقيقة وتشترك معها في الدين والعرق أحياناً، مما يترتب عليه عدم انسجام وزعزعة للأمن الجمعي للإقليم. ولعل ما نشهده من التفافات سياسية وانحراف للبوصلة يمكن أن يفسر ما نقول.
وينتج عن ذلك نشوء حالة تهديد وخطر على الأمة العربية والإسلامية من نوع جديد، فدول كالجزائر أو إيران مثلاً، والتي ليس لها حدود جغرافية مع فلسطين المحتلة،  ولم يكن لديها حرب تقليدية مع الكيان الصهيوني، عندما تجد القواعد العسكرية الصهيونية أصبحت في الجوار، كمحطات تهديد وقواعد تجسس متاخمة، يزداد لديها حس التهديد، وتزداد كذلك احتماليات الاحتكاك والتوتر والانجرار إلى الحروب في الإقليم، وعليه ضمن موازين القوى الجديدة المحتملة، تنشأ تحديات أمنية وسياسية عن هذا التطبيع.
أما على مستوى النخب السياسية في المنطقة، فهناك من لازال يراهن على أن الإدارة الديمقراطية الجديدة في البيت الأبيض تريد أن تفرض على "إسرائيل" والفلسطينيين حلاً يشبه حل الدولتين، ويرون أن هناك من يضغط على الكيان باتجاه تحقيق بعض المصالح الفلسطينية، وبالتالي تهدئة المنطقة لتتفرغ أمريكا لمواجهة منافسين كبار مثل الصين وروسيا، ليصبح المطلوب مساعدة هذا التوجه من خلال تسويق العلاقة مع الكيان والقبول به كجزء من المنطقة، مقابل وعود بتحقيق شيء للفلسطينيين، وخلاصة الرد على ذلك في المثل الفلسطيني المعروف "اللي بيجرب المجرب عقله مخرب"، فلا أرى أن الحالة "الإسرائيلية" المتطرفة الحالية يمكن أن يبنى عليها شيء من هذا السراب، وفي نفس الوقت لا أرى من المناسب أن نعود إلى الوراء في ظل اشتعال الضفة الغربية والعمليات البطولية التي تحقق تقدماً في تصاعد الروح النضالية لدى شعبنا، وفي إمكانية انتزاع الحقوق. لازلنا كشعب فلسطيني لا نرى في المجمتع الدولي بوادر للتوجه لإنقاذ الحالة الفلسطينية، بل توجه لتكريس الكيان الصهيوني كقاعدة عسكرية وأمنية وثقافية وسياسية للمشروع الغربي في المنطقة، على قاعدة تمكني استمرار الهيمنة "لإسرائيل" ويصبح الجميع خادماً لها. وفي نفس الوقت فإن نموذج المقاومة وذات الشوكة هو الذي استطاع ويستطيع انتزاع الحقوق والنصر الذي لا يهديه أحد لك.

ثالثاً: هوية الأمة والتهديد المجتمعي والثقافي والتداعيات المباشرة على القضية الفلسطينية:
إن هذا التشكل الجديد، وعلى سوئه يعلن وبشكل مباشر انتهاء حقبة أوسلو التاريخية اللعينة، وفي نفس الوقت سيؤدي إلى انهيار كل المنظومة التي واكبت تلك الحقبة، من نظام عربي مشترك كان مهتزاً وضعيفاً بالأساس.
إن تاريخ المنطقة العربية منذ تأسيس الكيان الصهيوني، لم يشهد من النظام الرسمي العربي أي خطوة جدية اتجاه إنهاء الاحتلال، بل للأسف حتى ما تم من حروب، كانت نتيجته تكريس الكيان لا خلعه. واليوم حتى بريق الأمل المتبقي يريد البعض من خلال هذا التطبيع أن يقضي عليه مطلقاً. 
في مقارنة سريعة لتدرج الأحداث عبر العقود الثمانية الماضية، سعى الكيان الصهيوني في كل لحظة إلى امتلاك القوة، وإلغاء الآخر، في حين سعت الأنظمة العربية إلى المهادنة والتماهي مع هذا الكيان المجرم، مما يمكن أن يساهم في طمس هوية الأمة العربية والإسلامية، وأن نجد أنفسنا أمام معادلات مريحة للبعض ومقولبة، فتصبح المقاومة إرهاباً، ويصبح حب الوطن تطرفاً، وتتغير منظومة الأصدقاء ويصبح الصديق عدواً والعدو صديقاً.
إن ما يحصل اليوم من التطبيع بحلته الجديدة، تم العمل عليه من قبل مراكز دراسات ومؤسسات صناعة قرار في الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني على مدى أكثر من عشرين سنة، وتوصلوا إلى فكرة تقول أن عامل الدين يمكن أن يكون منطلقاً لتفكيك فكرة مواجهة الاحتلال الأصيلة بين شعوب المنطقة واستبدالها بفكرة التجانس والتماهي والتسامح المزعوم بين الأديان، مما قد يؤدي إلى نزع الأمة من هويتها. وماذا يمكن أن يؤدي هذا التوجه؟ سيؤدي إلى أن هذه الفكرة الجديدة والتسامح المزعوم، ستواجه فكرة مقاومة ومواجهة أصيلة ومتجذرة في في وعي الأمة وأبنائه وستقوم بمحاربتها بدلاً من احتضانها ودعمه، فتتهمها بالإرهاب بدلاً من أن تصفها بالشرف والبطولة، ويصبح المقاوم ملاحقاً ويصبح الخائن مرحباً به.
وهذا بالتحديد ما يعمل عليه المطبعون، بأن يفرضوا هوية جديدة للمنطقة في البعد الثقافي والمبادئي، وأن يجعل الكيان الصهيوني جزءً من المنطقة، هذا الهدف الذي فشلت فيه الصهيونية منذ نشأتها قبل 125 عاماً من خلال القوة الخشنة والحروب، واليوم يأتي من يحقق لهم هذا الهدف من خلال القوة الناعمة أو الخبيثة (smart) ومشاريع التطبيع.
وعليه فإن أحد أهم أهداف هذا المشروع الخطير هو تغيير المنطلقات والمسلمات، وبالتالي تجريم مقاومة المحتل، وعليه يصبح الفلسطيني منبوذاً وعبءً على هذه المنظومة المسخ الجديدة، وملاحق في كل الأصعدة اجتماعياً وثقافياً ومالياً، هم انهزموا من داخلهم ولا يريدوا لأنفسهم إلا أن يكونوا خدماً عند الاحتلال وعند الأمريكان، وفي نفس الوقت يريدون فرض تشويه هوية ومبادئ وأخلاق الأمة وفي مقدمتها قضية فلسطين.
في ذات الوقت نجد أن الأمر تجاوز مسألة المجتمع المدني، وحملات المقاطعة وبيانات استنكار، فهناك جرأة على فعل المنكر وضمان لعدم العقاب، وبالتالي تتم المحاولات لكيّ وعي الأمة وإجبارها على تغيير أولوياتها ومنطلقاتها.

الخلاصة والتوصيات:
خلاصة الأمر أن هذا المشروع، ولا أقصد المشروع الصهيوني هنا، بل ما ظاهره التطبيع وباطنه إعادة سيطرة وهيمنة المشروع الصهيوأمريكي على المنطقة بعد انحساره، هو بشكل تلقائي سيكون في حالة صدام وعداء مع الأمة، من خلال استهدافه لحضارتها وعقائدها ومبادئها، ويريد منا أن نقوم بحالة رِدّة على كل ذلك. هو مشروع ينتهي بفرض هيمنة للكيان الصهيوني على الأمة وإرادتها. وهذا المشروع سيهدد بذلك الأمن القومي للأمة. 
نحن كفلسطينيين المتضرر المباشر والأكبر من هذا المشروع، وكما ذكرت فالهدف أن يصبح الفلسطيني منبوذاً وملاحقاً، وبالدرجة الثانية أنتم يا أبناء هذه الأمة العظيمة، بهويتكم الإسلامية الحالية لأنكم تلقائياً أعداء مع هذا المشروع سواء أردتم ذلك أم لم تريدوه.

وإن كان من توصيات في ذلك السياق فيمكن تلخيصها كما يلي:
تعزيز الوعي وتعميقه لدى شعوبنا الحية بحقيقة هذا المشروع، ورفع الإرادات الشعبية التي تكاد تنبطح أمام الغول المتصور الصهيوني، وتطوير آليات ذلك، فالكيان الصهيوني ارتكب جرائم ضد الكثير من دولنا العربية والإسلامية، من إسقاط الطائرة الليبية، إلى حمام الشط في تونس، إلى قصف العراق وسوريا، إلى اغتيال علماء في إيران، إلى اغتيالات في ماليزيا، إلى سلوك إرهابي ودموي في أفريقيا تبيع فيه "إسرائيل" السلاح سواء للحكومات والمعارضات في نفس الوقت.. فلا بد من التعبير عن ذلك بشكل توثيقي بين الشعوب، واستخدام الطرق الإبداعية الحديثة في التعبير عن ذلك من الإعلام الحديث والتواصل الاجتماعي إلى الفيلم والأغنية والكتاب والصورة... وفي هذا السياق لابد من التحرك على المستوى الشبابي في مواجهة محاربة المحتوى الفلسطيني في العالم الرقمي، في إرهاب فكري جديد يقوده الكيان الصهيوني وممن يحميه من القوى الغربية. وعلى نفس المستوى لابد من القول أن فكرة هذا الكيان السارق المجرم لم تعد صالحة للحياة، وكل ما علينا هو المواجهة والصمود فهذا الكيان إلى زوال.
نحن كفلسطينيين بمقاومتنا في غزة والضفة والقدس والكل الفلسطينية نشكل رأس حربة في مواجهة الاحتلال والدفاع عن الأمن القومي للأمة فلا بد للأمة من دعمنا في ذلك وتمكيننا منه. ولا بد من استمرار حالة الاشتباك مع العدو حتى لا نمكنه من الاستقرار بالمطلق، لذلك فلا بد من حماية هذه المقاومة البطلة بكل ما نملك وبشكل شامل وكلي، حتى نفشل مشروع الهيمنة الصهيوأمريكية في المنطقة ومحاولات إحيائها
على العالم العربي وبشكل رسمي الإعلان عن فشل مشروع أوسلو والتخلي عنه بالمطلق، فالاحتلال لم يحترم أي مبادرة عربية ولا اتفاقات دولية ولا إقليمية، بل إن أوسلو شكل ويشكل أكبر عقبة في وجه أي مشروع وطني.