الحرية بعد أربعين عامًا

ماهر يونس يعانق قبر والده وأكتاف أمه

الرسالة نت-رشا فرحات

لم يُطل الرفيق الغياب بعد خروج رفيقه، بينهما أسبوعان حتى اكتملت اللوحة، شريكان في الغياب والحضور، وشريكان في المقاومة، وفي الرقم أربعين. أعوام ثقيلة من الأحكام الجائرة، قلّباها صفحة صفحة حتى طُويت أجمل سنين العمر مع تلك الصفحات.

تحرر اليوم من سجون الاحتلال الأسير ماهر يونس، بعد أربعين عاما من الأسر الذي بدأت قصته في 18 يناير 1983، حينما اعتقلته قوات الاحتلال بعد أسبوعين من اعتقال ابن عمه الأسير المحرر كريم يونس.

وأفرجت سلطات الاحتلال (الإسرائيلي) عن الأسير يونس من سجن "أوهلي كيدار" في الجنوب، ليتوجه بعد ذلك إلى منزله في بلدة عارة في المثلث الشمالي.

وكانت التهم الموجهة له: الانتماء لحركة "فتح"، وقتل جندي من قوات الاحتلال، وحيازة أسلحة بطريقة "غير قانونية"، ثم حكمت محكمة الاحتلال عليه بالإعدام -كما حكمت على رفيقيه كريم وسامي يونس- بتهمة "خيانة المواطنة". وبعد شهر أصدرت حُكماً بتخفيض العقوبة إلى السجن المؤبد مدى الحياة.

أُفرج عن الرفيق الأول سامي يونس في صفقة شاليط؛ بسبب وضعه الصحي بعد قضائه 28 عاماً في سجون الاحتلال، عاش خلالها ظروفا صحية صعبة حتى استشهد في عام 2015.

بينما عانق كريم يونس الحرية قبل أسبوعين، واليوم تكتمل فرحة عائلة يونس بخروج ماهر.

قهر ماهر سجانه ألف مرة، وظل السجان يناكفه حتى اللحظة الأخيرة، حتى أنه نقله إلى سجن "أوهلي كيدار" قبل الإفراج؛ ليحرمه من وداع رفاقه الأسرى، ولم يكتف بذلك؛ بل حاصر منزل العائلة في باقة الشرقية قبيل دقائق من وصوله إليه؛ لمنع أي مظاهر احتفالية بتحرره من السجن.

ولأن هذا الشعب يقدر التضحيات فقد اجتمعت جماهير غفيرة من البلدة والمجتمع العربي حول منزل عائلة ماهر يونس؛ لاستقبال البطل المحرر.

وولد يونس في 6 يناير 1958 في قرية عارة داخل أراضي عام 1948، وله خمس شقيقات وشقيق واحد. درس في المدرسة الابتدائية والثانوية في قرية عارة، وفي المدرسة الصّناعية في الخضيرة، وخلال سنوات أسره حصل على البكالوريوس في العلوم السياسية.

وزغردت أم ماهر التي بدت في استقبال ابنها كأنها تصغر حتى تصبح ابنته، وهو يكبر حتى يصبح والدها، ويجب عليه مواساة حزنها الذي خبأته أربعين عاما.

وقالت وهي تهاتفه وهو في طريقه قادما إلى أحضانها: "حبيب روحي، أهلا وسهلا، شرفت الدنيا، الكل بانتظارك حبيبي، الحمد لله يا مه، هانت، ربنا يفرج عن كل الأسرى، أهلا وسهلا حبيبي"، ثم اختتمتها بزغرودة كبرى أتبعتها زغاريد أخرى ممزوجة بدموع الفرحة.

ولكن كريم يونس -الذي بدا فرحا برؤية الشمس- كان موجوعا على الأسرى الذين تركهم خلفه؛ حيث قال في رسالة له قبل يومين من خروجه: "أنتظر حريتي بكل حزن وألم، لأنني سأترك خلفي إخوتي ورفاقي الذين عشت معهم كل الصعاب والأفراح والأحزان، أغادرهم وقلبي وروحي عندهم، على أمل أن نلتقي قريبًا جميعًا أحرارًا، ثم إنني كنت أتمنى أن أخرج وقد تحرر كل شعبنا من هذا الاحتلال".