تسريبات حسين الشيخ والجدل حول “من سيخلف محمود عباس؟”

مصطفى إبراهيم - حقوقي فلسطيني

عادت تسريبات حسين الشيخ الصوتية إلى العلن مجدداً، بعد الجدل الذي أشعلته في الفترة الأخيرةـ مع نشرها للمرة الأولى، فالشيخ الذيّ يتقلد مناصب عدة (وزير الشؤون المدنية في الحكومة الفلسطينية، وأمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح، واليد اليمنى للرئيس الفلسطيني محمود عباس، وحلقة الاتصال مع الجانب الإسرائيلي والأميركي)، سُمع يتهجّم على الرئيس محمود عباس، ورئيس جهاز المخابرات الفلسطينية ماجد فرج.

نفى الشيخ حينها حقيقة تلك التسجيلات، قائلاً إنها “مفبركة وغير دقيقة وغير صحيحة، هي معركة خلافة أبو مازن، الأمن داخل في الموضوع، وشغال في اللعبة هاي، وجزء من المركزية داخل في الموضوع، واليوم الذي يلي أبو مازن، كله سوف يأتي في إطار خطة مرتبة، وحوار بين فتح والمصريين شو دخل مدير المخابرات؟ وفي كل غزة ما حدا عبره وعلى الطلاق ما عنده شي”.

الجدل الذي أشعلته التسجيلات على الساحة الفلسطينيّة، لا يقتصر على حقيقتها أو زيفها، إذ أثارت جملة من القضايا التي ما زالت محط جدل حتى الآن، على رأسها سؤال، من سيخلف الرئيس عباس؟ الشأن الذي يُعتبر “تابوه”، ولا يجرؤ أحد من القيادة الفلسطينية الفتحاوية التطرق إليه علناً.

التسجيلات المذكورة ليست الأولى من نوعها في ما يتعلق بالشأن الفلسطيني الداخلي، بخاصة حين الحديث عن  “حركة فتح”، ففي بداية شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2022، اتُّهم توفيق الطيراوي، عضو اللجة المركزية لحركة “فتح”، والذي شغل سابقاً منصب رئيس المخابرات العامة الفلسطينية، ورئيس “لجنة التحقيق في وفاة الرئيس الراحل” ياسر عرفات، بتسريب مئات الشهادات والوثائق على مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام الفلسطينية، من بينها شهادات لمسؤولين فلسطينيين رفيعي المستوى، قالوا إن عرفات يرى أبو مازن متعاوناً مع إسرائيل والولايات المتحدة، واشتبه في وجود مؤامرة ضده أثناء حصار مقره (المقاطعة) في رام الله، قبل وفاته في ظروف غامضة في مستشفى في فرنسا في تشرين الثاني 2004.

صراعات قيادية حول الخلافة

تكشف التسريبات في جانب كبير منها، عن الصراعات داخل قيادة حركة “فتح” ومعارك الخلافة، فالمقربون من الرئيس عباس يتّهمون الطيراوي بالوقوف وراء التسريبات، إلا أنه نفى ذلك جملة وتفصيلاً في مقابلة مع صحيفة “إسرائيل هيوم”، أجراها من مقر إقامته في العاصمة الأردنية عمان في تشرين الثاني 2022.

طلب الطيراوي من مسؤولي الأمن الفلسطينيين التحقيق في كيفية اقتحام أجهزة الكمبيوتر وسرقة الوثائق، وقال: “لديهم القدرة على الوصول إلى أولئك الذين فعلوا ذلك. عليهم أولاً وقبل كل شيء، معرفة من قام بالتسريب؟ ومن ثم التحقيق في من نشر؟ كيف يمكن اختراق موضوع مهم وحساس كهذا؟ تقع مسؤولية اكتشاف الحقيقة على عاتق قوات الأمن”.

أضاف الطيراوي: “بدأ الأمر في عام 2016، عندما سُئلت في مقابلة عمن سيخلف أبو مازن، وقلت آنذاك إن من سيأتي بعده، سيكون إما قائداً للثورة أو شخصاً من روابط القرية”، في إشارة إلى روابط القرى التي أُسست تحت رعاية الأجهزة الأمنية الإسرائيلية في الثمانينات، كبديل عن “منظمة التحرير الفلسطينية”.

تم تقليص نفوذ الطيراوي وسطوته عبر تنحيته عن منصبه الذي شغله لسنوات كرئيس لجامعة “الاستقلال” في أريحا، التي تدرّس فيها العلوم الأمنية والشرطية، ويدرَّب ضمنها أعضاء الأجهزة الأمنية الفلسطينية. تلقى الطيراوي أيضاً تحذيرات من جهات فلسطينية وتهديداً بطرده من الضفة الغربية، وتقديمه إلى المحاكمة والسجن، ما دفعه إلى نقل مقر إقامته إلى عمان، علماً أن هناك معلومات يتم تداولها حالياً، تؤكد اقتراب فصله من اللجنة المركزية.

تشير التسجيلات المنسوبة إلى الشيخ، والوثائق المسرّبة الخاصة بالتحقيق في وفاة الرئيس عرفات، إلى اشتعال حرب خلافة الرئيس عباس، الذي طرد وأقصى عدداً من قادة حركة “فتح” وأعضاء اللجنة المركزية فيها. بدأ الأمر مع عزل ناصر القدوة، ابن أخت الراحل عرفات، من رئاسة مجلس إدارة مؤسسة ياسر عرفات، وسحب جواز سفره الدبلوماسي منه، ما دفعه لمغادرة رام الله إلى غزة، حيث عمل مع لوبي “الملتقى الوطني الديمقراطي”، بهدف التوصل الى اتفاق على إحداث تغيير واسع وعميق وضروري على الساحة الفلسطينية”، فُصل القدوة لاحقاً من مركزية “فتح”، بعد ترشّحه للانتخابات التشريعية التي كانت ستُجرى في أيار/ مايو عام 2021.

تأييد الفلسطينيين للمقاومة المسلحة

بدأ الفلسطينيون في الضفة وغزة، إثر هذه الأحداث، بإثارة قضية اختيار بديل للرئيس عباس، البالغ 87 سنة، متخوّفين من أن يتسبّب الصراع على الخلافة بفوضى في الضفة الغربية.

الاعتقاد السائد بين الفلسطينيين في غالبيتهم، هو أن إسرائيل تعمل على إضعاف السلطة الفلسطينية، التي أصبح مصيرها في يد دولة الاحتلال، التي تريدها وكيلاً أمنياً يساعدها في قمع الفلسطينيين ومقاومتهم، من خلال التنسيق الأمني بين الأجهزة الأمنية الفلسطينية والإسرائيلية.

شهدت الأراضي المحتلّة خلال عام 2022، بخاصة الضفة الغربية، تصاعداً في نشاط المقاومة المسلّحة، إذ كان الفلسطينيون (وما زالوا) ملتفّين حول الكفاح المسلح، الذي يوازيه دعم شعبي واسع وتأييد للمجموعات المسلحة في الضفة، ونابلس وجنين تحديداً، خصوصاً “عرين الأسود” و”كتيبة جنين”، وهما من المجموعات الشبابية التي لا تنتمي إلى التنظيمات الفلسطينية.

هناك غموض حول موضوع خلافة عباس بعد انتهاء ولايته، والسؤال ماذا سيحدث في ظل إلغاء الانتخابات التي كانت مقررة في أيار 2021؟ تزداد ضبابية السؤال  أمام فقدان الأمل بإجراء انتخابات جديدة، وانتهاء الشرعيات في فلسطين، إذ يعتبر الرئيس عباس أنه الشخص الشرعي الوحيد الذي يتولى المنصب منذ عام 2005.

يستمد عباس ما تبقى من شرعيته بسبب قيادته لمنظمة التحرير الفلسطينية، ورئاسة دولة فلسطين، التي حصلت عام 2012 على صفة دولة مراقب في الأمم المتحدة. لكنْ، هناك انقسام حول شرعية عباس ومنظمة التحرير، التي تمت هندسة أوضاعها من الرئيس نفسه، إذ لا تعترف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وحركتي “حماس” و”الجهاد الإسلامي”، بعضو اللجنة المركزية لحركة “فتح”، روحي فتوح، كرئيس للمجلس الوطني الفلسطيني الذي من المفترض أنه يمثل جميع الفلسطينيين.

اشتد الجدل بعد حلّ المجلس التشريعي للسلطة الفلسطينية عام 2018، الذي وفقاً للقانون الفلسطيني، يتولى رئاسة السلطة الفلسطينية  في حال وفاة الرئيس إلى حين إجراء انتخابات جديدة للرئاسة خلال شهرين من وفاته، المفارقة أن رئيس المجلس التشريعي هو الدكتور عزيز دويك، المنتخب عام 2006 من “حماس” التي تعتبر أن ولاية عباس منتهية، وفي حال غيابه لأي سبب، فمن حقها تولّي المنصب، غير أن هذا السيناريو غير مقبول تماماً، لذلك أجرى عباس بعض التعديلات، وتم انتخاب فتوح رئيساً للمجلس الوطني ليكون رئيساً مؤقتاً حتى إجراء الانتخابات الرئاسية الفلسطينية.

 يدور كل ما سبق في الساحة الفلسطينية دون أي نقاش علني ومؤسساتي حول مرحلة ما بعد ولاية الرئيس عباس، وتعطيل عمل المؤسسات الديمقراطية، إلى جانب الضبابية، وسياسة الانتظار التي يمارسها عباس مع الفلسطينيين مع دولة الاحتلال، وتمسّكه برؤيته في انتظار موافقة الحكومة الإسرائيلية على العودة إلى المفاوضات بضغط دولي.