جودة عدد منها ينافس الخارج

المختبرات الطبية بين الرقابة والسمسرة

غزة- لميس الهمص

أحس طفله بأعراض الذبول والإرهاق مع اصفرار في الوجه .. ولم يقف به الأمر عند هذا الحد فقد اخذ الطفل يفقد شهيته  رويدا رويدا للأكل... ومع مرور الأيام لاحظ والد الطفل كسل ابنه ونومه المتكرر فتأكد أن ما به ليس إرهاقا عاديا.

عندها اصطحبه للطبيب لإجراء بعض التحاليل الطبية وبمجرد رؤيته للنتائج, تغير وجه الطبيب ورفض الحديث حتى إعادة التحاليل في مختبر آخر.

حالة من القلق انتابت عائلة الطفل أحمد حسن - 6 سنوات - أدخلتها في دوامة من التفكير في مرض طفلها الأول إلى حين موعد ظهور نتيجة التحليل في المرة الثانية, ليكتشف الطبيب أن مرض الطفل لا يتعدى الأنيميا الشديدة بعد أن أظهر التحليل الأول إصابته بمرض خطير رفض حتى الكشف عنه.

التحليل المخبري، يعد نصف التشخيص أحيانا ، بل أن بعض الأطباء يصفونه بأنه كل التشخيص، ومن هنا يعتمد عليه الجميع الطبيب والجراح والصيدلي. ولكن .. ماذا يحدث إذا اخطأ المختبر؟ هل يتحمل مسؤولية أرواح العشرات ممن يرتادونه؟.

تحاليل خاطئة

وما يزيد الأمر تعقيدا افتتاح بعض الأطباء معامل داخل العيادة بنسبة تشغيل فني معينة.وتقدر عدد مختبرات القطاع بأكثر من 300 مختبر طبي غالبيتها العظمى غير مرخصة.

ويقول المواطن عصام محمود أنه يضطر عند إجراء التحاليل للذهاب إلى أكبر المعامل لأنه تعرض لموقف في منتهى السوء مع ابنه.

ويضيف: عندما مرض وأصابته حالة من الهزال الحاد ذهبت به للطبيب الذي طلب مني مجموعة من التحاليل, التي أثبتت أنه مريض بالسكر, وبدأ الطبيب رحلة العلاج مع طفل عمره "11 سنة" وبعد "5" أشهر من العلاج تدهورت صحته.

فاضطر الأب إعادة نفس التحاليل في معمل آخر فكانت النتيجة أنه لا يعاني من مرض السكر علي الإطلاق ولكنه فيروس يحتاج المريض معه للراحة والتغذية السليمة لمدة شهر كامل فقط.

وفيما قال تيسير أحمد في السادسة والعشرين من عمره أنه تعرض لحالة نفسية سيئة عندما أظهر تحليل أجراه للخصوبة, يعاني من حالة سيئة وغير قادر على الإنجاب إلى بعد علاج طويل.

وبمرارة علت صوته يتابع : عشت أياما صعبة للغاية خصوصا لمعرفتي أن علاج العقم يكلف كثيرا في ظل تعطلي عن العمل.

وتفاجأ تيسير بحمل زوجته بعد شهر واحد من إجراء التحليل ليجري ذات التحليل مجددا في مختبر آخر, وعندها تأكد تماما أن النتيجة السابقة كانت خاطئة وان نسبة الخصوبة لديه مرتفعة.واتهم العديد من المختبرات بالتلاعب بمشاعر المواطنين عبر عدم الدقة في النتائج كون العديد من المختبرات متهالكة وغير نظيفة وأجهزتها قديمة بل مهترئة .

أم محمد - 60 عاما - تعاني من داء السكري المزمن وتحتاج لمراجعة الطبيب المختص بشكل دوري، مبينة أنها “تستغرب أحيانا من التحليل الذي يظهر نتيجة طبيعية برغم أنها تشعر بالعكس من خلال ما تعانيه من أعراض تدلل على ارتفاع نسبة السكر في الدم .

وتعرب أم محمد عن “حيرتها جراء ذلك لاسيما أن الطبيب يأخذ بنتيجة التحاليل ويصف لها الدواء على ضوء ذلك”، وتقول “لا أعرف أين يكمن الخلل؟”

غير مرخصة

وفي كثير من الحالات يتم الاتفاق بين الطبيب المعالج وصاحب معمل معين ليتقاسما الأرباح بنسب متفق عليها, وفي تلك الحالة قد يتغاضي الطبيب عن نتائج المعمل التي لا ترتقي لمستوى الدقة المطلوب, إما لأنه صاحب المعمل أو لاقتسامه نسبة من الربح طبقا لاتفاقية تبادل المنفعة بين المعمل والطبيب.

من جهته ذكر الأستاذ أحمد سلمي رئيس قسم العلوم الطبية المخبرية بكلية العلوم بالجامعة الإسلامية أن عدد المختبرات في قطاع غزة يفوق ال300 مختبر بعضها لا يصلح للترخيص ، موضحا أن دائرة التراخيص تصنف المختبرات على حسب الاختصاص .

ولفت إلى أن 90%  من المختبرات الموجودة لا تصلح إلا لاجراء التحاليل البدائية بينما العشرة الباقية هي المتقدمة وتقوم بتحاليل متخصصة .

ويؤكد سلمي في ذات الوقت أن عددا كبيرا من مختبرات القطاع وضعها ليس كما يجب وهذا ما يؤخر ترخيصها حتى اللحظة كونها  لم تستوف الشروط سواء من الناحية البشرية أو الناحية المادية المتعلقة بالأجهزة والمواد.

ونفى رئيس قسم العلوم الطبية المخبرية أن يتسبب الخطأ في التحليل إلى وفاة أشخاص كون أغلب التحاليل التي تجري هي بدائية ، قائلا: صحيح أنه من المهم أن تكون النتائج صحيحة لكن لا تؤدي للوفاة أو الخطر الكبير وهذا السبب في سكوت الوزارة على ترخيص المختبرات حتى اللحظة .

وأرجع السبب في عدم ترخيص المختبرات للحصار والعوامل الاقتصادية الصعبة التي يعاني منها القطاع، لافتا إلى وجود أجهزة قديمة ومهترئة ومحاليل منتهية .

واتهم سلمي الوزارة بالتقصير في التفتيش والمتابعة على صلاحية المواد والأجهزة في ظل غياب التفتيش الدوري ، مشيرا إلى أن أسعار التحاليل في القطاع هي ارخص من أي دولة أخرى.

وذكر أن الكثير من الفحوصات مفقودة في القطاع بسبب الحصار لذلك تحاول جامعته توفيرها قدر الإمكان .

وضع صعب

ويجمع كثيرون على أن هناك معامل "غير مرخصة" تعمل في "بيت الدرج" وفي مطابخ بعض العيادات, وأجهزتها غير دقيقة بل ومتهالكة ويستخدمون موادا كيماوية رخيصة وغير جيدة تعطي نتائج خاطئة .

و من ناحية أخرى يجب على المريض أن ينفذ التعليمات الخاصة بإجراء التحاليل قبل القيام بها من حيث الامتناع عن بعض العقاقير أو الصيام لفترة محددة.

في المقابل لفت أخصائي التحاليل محمد عبد المجيد, مدير مختبر بلسم, أن واقع المختبرات الطبية في قطاع غزة يتحسن بشكل ملحوظ , لافتا إلى وجود مختبرات نوعية تحوي فحوصات مميزة بعضها غير موجودة في الدول المجاورة.

وذكر أن المختبرات الصغيرة غير المؤهلة تدرس أوضعها الآن في أروقة وزارة الصحة ، مشيرا إلى أن عددا كبيرا من المختبرات حينما قورنت نتائجها بنتائج مختبرات داخل الاراضي المحتلة عام 48 تطابقت معها .

وطالب عبد المجيد وزارة الصحة بمزيد من العناية في المختبرات ، موضحا أن كثيرا من الأخطاء في المختبرات تقع مسؤوليتها على أخصائي المختبر في حال اكتفى بقراءة الكتالوج المرافق "للكتات" دون أن يكون لديه رؤية في التحليلات.

ويرى أن هناك أخطاء كثيرة تقع بسبب انتهاء صلاحية المواد أو عدم ثبات الكهرباء أو خلل في الإضاءة وكل تلك الأخطاء يكتشفها الأخصائي بخبرته والتي تختلف من فني لآخر .

وأشار مدير مختبر بلسم إلى أن بعض المواد تخطئ في طريقة التخزين عند جلب المواد فتكتفي بوضع الثلج عليها دون اللجوء لثلاجات , من أجل تقليل التكلفة.

وأكد عبد المجيد أن الحصار تسبب في فقد العديد من المواد وارتفاع أسعارها. جازما أنه بات من الصعب على أي مختبر إعداد خطة تطويرية للمختبرات أو إضافة خدمات أخرى بسبب الحصار المفروض على إدخال المواد والأجهزة.

وذكر أن وزارة الصحة مؤخرا باتت تنفذ حملات تفتيش ورقابة لضبط جودة المختبرات ، مشيرا الى ضرورة رفع جودة المهنة في ظل غياب دور النقابة , مطالبا بتوفير وظائف لخرجي المختبرات في وزارة الصحة لتحسين الخدمة .

أما الأخصائية المخبرية (س. ح)، قالت إنه من “النادر وقوع خطأ في التشخيص عبر التحليلات المختبرية”، مشيرة إلى أن المراجع “يكون أحيانا مصابا بأمراض أخرى لكن الطبيب يلجأ إلى معالجة الأكثر خطورة منها أو أن المريض لا يعرض أعراض مرضه بدقه”.

وأضافت أن الخطأ “قد يحدث بسبب وجود انتهاء صلاحية بعض المحاليل أو المواد المستخدمة في التحليل, الأمر الذي يؤدي إلى خطأ في التشخيص”.

وأفادت الأخصائية المخبرية أن الأخطاء “تحدث أيضا جراء عدم ضبط الأجهزة أو معايرتها بدقة أو اعتماد بعض أصحاب المختبرات على أشخاص غير متخصصين أو غير أكفاء لا يحسنون التعامل مع الأجهزة أو قراءة النتائج بهدف الربح السريع”.

سمسرة

وتجاوزا لتلك الأزمة طالبت الأخصائية المخبرية بضرورة “مراقبة المختبرات والتأكد من مطابقتها للشروط التي تحددها وزارة الصحة سواء من ناحية المكان أم الأجهزة أم العمالة”.

وتابعت أن التحليل المختبري “يشكل نصف التشخيص بالنسبة للمرض ويشمل علم الأمراض السريري وعلم الأمراض النسيجي وهو احد فروع الطب المهمة والرئيسة التي تمكن الطبيب المعالج من الوصول إلى النتائج الحاسمة في تشخيص الحالة المرضية”.

من جهته ذكر الدكتور عمر فروانة  -نائب عميد كلية الطب بالجامعة الإسلامية المختص في علم وظائف الأعضاء-  أن درجات بعض المختبرات في قطاع غزة جيد ويعتمد على نتائجها وبعضها الآخر لا يعتمد عليها، موضحا أن إمكانيات المختبرات مختلفة فبعض الأطباء يضطر لإرسال التحليل لمختبر آخر للتأكد من صحته.

وأرجع فروانة أسباب الخلل إلى عدم تطبيق العديد من المختبرات لمعايير الجودة كونها تكلف صاحب المختبر ، لافتا إلى ضرورة أن يلجأ فني المختبر لإعادة التحليل في حاله الشك في نتائجه .

وبين أن هناك مسؤولية تقع على عاتق الطبيب في تصديق نتيجة الفحوصات, فتكون أحيانا غير مستساغة عندها يطلب الطبيب إعادتها أفضل من الاعتماد عليها خصوصا في التحاليل الخطيرة ، مؤكدا على ضرورة أي يتحلى فني المختبر بالأمانة العلمية, فلا يعتمد على مواد او كتات تالفة في التحليل .

وأشار إلى ضرورة التأكد من صلاحية "الكت" حتى وإن لم ينته تاريخه كون بعضها يخزن بطريقة خاطئة فيفسد قبل المدة المحددة .

وبحسب فروانة فإن نتائج بعض التحاليل تمثل خطورة على مستقبل حياة المريض, فقد يقرر عليها عملية لا يحتاجها المريض ، مشيرا إلى أن خطا في تحليل لأحد مرضاه تسبب بعلاج لمدة عام كامل دون جدوى, ليتبين بعدها ان نتيجة التحليل كانت خاطئة مما تسبب بنزف الوقت والمال.

وشدد على أن العديد من الأطباء يلجأون لتوجيه المرضى لمختبرات معينه لثقتهم بها, أما البعض الآخر فيلجأ لاتفاق مع المختبر على نسب معينة من التحاليل حتى أن البعض يطلب أكثر من التحاليل اللازمة ليرفع نسبته.

رقابة دائمة

ووفقاً لوزارة الصحة قال د. ماهر شامية  مدير دائرة الإجازة والترخيص في الطب الخاص أن وزارته وضعت شروطا ومواصفات لترخيص أي مختبر طبي تنافس أرقى المواصفات بالدول المجاورة ، مؤكدا أن هامش الترخيص في المختبرات العامة لازال محدودا وذلك لأن كثيرا منها قائمة منذ فترة طويلة وتصطدم في التراخيص بمساحة المختبر.

ولفت إلى أن الحد الأدنى لمساحة المختبر  كانت تقدر بــــــ 80 متر مربع ثم عدلت لمرتين لتصل إلى 50 متر مربع ، مشيرا إلى أن مساحة العديد من المختبرات اقل من ذلك لكنها قديمة من زمن الاحتلال.

وبحسب شامية فإن الوزارة تعمل على خطين الأول محاولة وضع أنظمة لترخيص المختبرات دون المس بالجودة ، بالإضافة للجانب التفتيشي الدوري بغض النظر إن كانت مرخصة أو لا.

واقر بوجود الكثير من المختبرات التي  تستخدم محاليل منتهية و كتات وأجهزة مهترئة , مستدركا: لكن تم مساءلتهم وإقفال مختبراتهم لحين تصحيح وضعهم القانوني.

وذكر أن المختبرات الطبية حساسة لالتصاقها بالمواطن وأي خلل فيها كاستخدام مواد غير معقمة يتسبب في انتقال الكثير من الأمراض الخطيرة ، مشددا على أن الوزارة أدخلت نظام

الكنترول في النتائج عبر أخذ عينات من نتائج المختبرات وقياسها في مختبرات خاصة لمعرفة مدى التطابق .

وشدد على وجود حل متوقع لمساحة المختبرات كفكرة قائمة على أساس ترخيص الخدمات قياسا بالمساحات، موضحا أن التراخيص لا تمنح إلا للحاصلين على البكالوريوس في الطب المخبري ولدية مزاولة مهنة.

وذكر شامية  أنهم لا يمكن أن يمنحوا تراخيص لمختبرات تقام في مطبخ أو بيت درج كمكان في وسط تجمع عيادات كونها مدعاة للاحتكار  ، موضحا أن المختبرات الطبية يجب ألا يكون لها أي ارتباط بالعيادات لعدم استغلال المواطن، لافتا إلى ان الوزارة تلجأ لتحذير الأطباء الذين يثبت تعاملهم مع مختبرات معينة للبعد التجاري.

وعلى صعيد الأجهزة تدقق الوزارة عند الترخيص في جودة الأجهزة وأنها لازالت تعمل ولها كتات موجودة في السوق .

وبحسب شامية فإن من العرف عند ترخيص أي مختبر أن يوافى الوزارة بالأسعار المتداولة ، موضحا أن الحصار أثر بشكل كبير على المختبرات فأصبحت قيمة الجهاز القديم تقدر بثلاثين ألف دولار ، مبينا أن الكثير من الكواشف تنتهي فعاليتها وهي تنتظر على المعبر مما يتسبب بخسائر ضخمة للشركات.

وأكد شامية أن عام 2011 سيشهد إيجاد حلول عملية لترخيص الخدمة بحل مشكلة المساحة بما يتناسب مع مساحة المنطقة ولا يؤثر على جودة الخدمة .

ولفت على حرص الوزارة لإدخال العديد من التحاليل النادرة في مختبراتها لإيجاد نوع من المنافسة في الأسعار وتوفير الخدمات المطلوبة للمواطنين، مشيرا إلى أن وزارته تستثمر في الإنسان وتطور من قدراته كما تطور الأجهزة المستخدمة .

ويعد العمل في المختبرات مهمة إنسانية يجب أن تتسم بالدقة والحذر, فهل تنجح وزارة الصحة في القضاء على فوضى بعضها ؟

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير