يعيش قطاع غزة واحدة من أفظع الأزمات الإنسانية التي عرفها التاريخ الحديث، التي افتعلتها (إسرائيل) ضمن حرب إبادة جماعية مستمرة، تستهدف المدنيين بلا هوادة، وتدمر كل مقومات الحياة.
في ظل القصف العشوائي والحصار المطبق، أُجبر عشرات الآلاف من سكان شمال القطاع على النزوح من منازلهم، بعد أن أوهمتهم (إسرائيل) أن جنوب غزة سيكون “الملاذ الآمن”.
لكن ما وجده هؤلاء النازحون في الجنوب لم يكن سوى امتداد للكارثة؛ جوعٌ قاتل، وملاجئ تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة، وألم متزايد يلتهمهم في كل لحظة.
الجوع، الذي تحول إلى سلاح آخر في يد الاحتلال، لم يكن مجرد نتيجة جانبية للحرب. والقيود المفروضة على إدخال المواد الغذائية الأساسية، وعلى رأسها الدقيق، أدت إلى انهيار النظام الغذائي للقطاع بالكامل.
الأسواق شبه خالية من المواد الغذائية، فيما تعمل بعض المخابز القليلة التي بقيت صامدة وسط أزمة خانقة لتلبية الطلب المتزايد، لكنها بالكاد تستطيع توفير جزء صغير من احتياجات السكان. أصبح مشهد الطوابير الطويلة أمام المخابز رمزًا يوميًا للمعاناة في جنوب القطاع، ويضطر الرجال والنساء والأطفال للانتظار ساعات طويلة للحصول على ربطة خبز بالكاد تكفي ليوم واحد.
“لا أصدق أن الخبز، الذي كان أبسط حقوقنا، أصبح اليوم رفاهية لا نحصل عليها إلا بعد شقاء طويل”، تقول سامية الدهشان وهي أم لخمسة أطفال نزحت من شمال القطاع إلى الجنوب، مضيفة بحزن: “كنا نظن أننا نترك الموت خلفنا، لكن الموت بالجوع يلاحقنا هنا أيضًا.”
هذه الطوابير لم تكن فقط مكانًا للانتظار، بل أصبحت مسرحًا لمآسٍ جديدة. في حادثة مروعة وقعت قبل يومين على باب أحد المخابز في مدينة دير البلح، فقدت امرأتان وطفلة حياتهن بسبب التدافع للحصول على الخبز. “كان الجميع في حالة من الذعر والجوع، رأيت النساء يحملن أطفالهن ويحاولن حماية أنفسهن، لكن التدافع كان أقوى منا جميعًا”، يقول “أبو أحمد”، وهو شاهد على الحادثة.
هذه المشاهد المؤلمة تعكس ليس فقط حجم الأزمة، بل مدى اليأس الذي يدفع الناس إلى المخاطرة بحياتهم من أجل لقمة عيش.
هذه الأزمة لا تنفصل عن الحصار الإسرائيلي الذي استمر منذ أكثر من 17 عامًا، والذي اشتدت قسوته مع العدوان الحالي.
منع إدخال الدقيق والمواد الغذائية الأخرى، بالإضافة إلى تدمير البنية التحتية والمخابز في القطاع، حول الجوع إلى أداة حرب تستخدمها (إسرائيل) لكسر إرادة السكان وتجريدهم من أبسط حقوقهم الإنسانية.
“إنهم لا يريدون فقط قتلنا بالقنابل، بل يريدون أن نموت ببطء، جوعًا وألمًا”، تقول سلمى السمان، وهي معلمة نزحت من بيت حانون إلى جنوب غزة. تضيف بنبرة غاضبة: “هذا ليس قتالًا، هذا إبادة جماعية بكل ما تعنيه الكلمة.”
الوضع يزداد سوءًا يومًا بعد يوم، في ظل غياب أي استجابة دولية حقيقية. المساعدات الإنسانية التي تصل إلى القطاع لا تغطي سوى جزء ضئيل من الاحتياجات الهائلة للسكان.
يقول طبيب الأطفال حسن الحاج "للرسالة نت“ "نرى أطفالًا يعانون من سوء التغذية، ونعجز عن تقديم أي مساعدة حقيقية لهم، إذا استمر هذا الوضع، فإن الكارثة ستكون أكبر مما يمكننا تحمله.”
ويضيف أن عملية بناء جسم الطفل تحتاج إلى أغذية تحتوي على الكالسيوم والبروتين وغيرها من العناصر وكلها مفقودة في الوقت الحالي، حتى المكملات الغذائية التي يسمح الاحتلال بدخولها نادرة جداً ولا تكفي إلا لعدد قليل.
أصبح الجوع جزءا من منظومة متكاملة من الجرائم التي تستهدف القضاء على حياة السكان. النازحون، الذين هربوا من القصف والموت في الشمال، وجدوا أنفسهم محاصرين في الجنوب بجوع يفتك بهم ببطء.
أمام هذه الكارثة الإنسانية يقول يوسف أبو وطفة، وهو أب لعائلة مكونة من 8 أفراد “كل يوم يمر ونحن نبحث عن الطعام لأولادنا هو عذاب جديد. لم أعد أستطيع النظر في عيون أطفالي، لأنني أشعر بالعجز والخجل.”
في ظل هذا الواقع المأساوي، يتساءل الغزيون أين العالم من هذه الكارثة؟ أين المجتمع الدولي الذي يدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان؟ الصمت الدولي تجاه ما يحدث في غزة لا يمكن تفسيره سوى بأنه تواطؤ ضمني مع الاحتلال.