كانوا أربعة، فأصبحوا واحدًا. ثلاثة منهم قصفتهم طائرات الاحتلال (الإسرائيلي)، لا لذنب اقترفوه، بل فقط لأنهم ذهبوا لشراء الحلوى. هذه هي القصة المأساوية للأطفال الثلاثة: عبد العزيز (8 سنوات)، حمزة (5 سنوات)، وليلى (3 سنوات).
صرخات أمهم في أروقة المستشفى، وهي تودع أطفالها الثلاثة دفعة واحدة، لا تفارق الأذهان. كانت تردد مين" يقولي يمه ؟!"، ثم تتنهد وترفع وجهها إلى السماء قائلة: "فضيت الدنيا.. فضيت".
لم تكن السيدة أريج القاضي، أم عبد العزيز تتوقع تلك اللحظة، ولم تخطر ببالها في أبشع كوابيسها أن تحلق طائرة الاحتلال على باب خيمتهم لتقتل أطفالها. لكنها الواقع الذي عاشته. تقول أم عبد العزيز لي: "نريد أن نشتري الحلوى يا ماما كان على باب الخيمة، أخذوا المال من والدهم، وفور خروجهم سمعنا صوت القصف. خرجت أنا ووالدهم راكضين وفور خروجنا رأيت ليلى الصغرى ممددة شهيدة".
ورغم الحزن، استدركت الأم صدمتها وسجدت بجانب جثمان طفلتها مرددة: "اللهم أجرني في مصيبتي". ثم أكملت ركضها لتبحث عن حمزة وعبد العزيز. نظرت إلى الجانب الآخر فرأت حمزة غارقًا في دمائه، ثم التفتت لتجد عبد العزيز جالسًا على كرسي بجانب بسطة البائع المدمرة، رأسه متهدل على صدره.
كانت الأم تظن أن عبد العزيز لا يزال حيا. اقتربت منه وهزت الصغير، لكن عرفت حينها أن الثلاثة قد فارقوا الحياة.
تتذكر الأم، وهي تقلب صور أطفالها، ذكريات كثيرة ارتبطت بهم. تنظر إلى أركان الخيمة التي خيم عليها الصمت، فلا ضجيج، ولا أصوات، ولا أحد ينادي "ماما" طوال الوقت. تقول بحزن وهي تستعيد اللحظات الأخيرة: "عبد العزيز، قبل خروجه، توضأ استعدادًا للصلاة. قال لي بصوت مرتفع: "أنا هيني بتوضا، وضحك، ثم صلى وخرج".
المشهد الأخير لعبد العزيز يترك أثرًا عميقًا. خرج ممسكًا بسجادة الصلاة التي غرقت بدمائه عند استشهاده، لتظل شاهدةً على إجرام الاحتلال الذي يتغذى على دماء الأطفال في غزة.
تتألم الأم المكلومة. تطلب منهم أن يسامحوها كل لحظة، إذ تقتلها فكرة أنها لم تستطع حماية أطفالها من قذائف الطائرات. تقول: "لو كنت أستطيع وضعهم داخل قلبي ليظلوا بأمان وأسمع كلمة "ماما" للأبد، لفعلت". لكنها تتذكر تفوق عبد العزيز في الصلاة وحفظ القرآن، وكيف كانت تراجع معه الحفظ كل يوم في خيمة النزوح التي لجؤوا إليها منذ سبعة أشهر، بعد نزوحهم إلى المواصي قادمين من رفح، بحثا عن أمان زائف في ظل قصف الاحتلال.
تتأمل أم عبد العزيز رحمة الله رغم وجع المصاب. تواسي نفسها بالأمل قائلة: "كان من الممكن أن يكون طفلي الصغير وزوجي شهداء لو ذهبوا معهم لشراء الحلوى. الحمد لله أنه ترك لي شيئا في حياتي أحتضنه وأتذكر فيه إخوتهم".
أما الأرقام، فتشير إلى أن عدد الأطفال الذين استشهدوا بسبب حرب الإبادة يفوق ما تم إحصاؤه خلال أربعة أعوام من النزاعات العالمية. الأطفال شكلوا النسبة الأكبر من ضحايا حرب الإبادة التي تشنها (إسرائيل) على قطاع غزة منذ 7 أكتوبر / تشرين الأول. واستشهد أكثر من 16 ألف طفل حتى يوليو/ تموز الماضي، وفقًا للمكتب الإعلامي الحكومي في غزة، ما يجعلها واحدة من أعلى نسب الضحايا الأطفال في تاريخ الحروب.