يومًا بعد يوم، تتكشف الحقائق حول مسلسل الجرائم التي ارتكبها جيش الاحتلال (الإسرائيلي) ضد المدنيين الفلسطينيين العزل في غزة، منذ حرب الإبادة التي شنها على القطاع في السابع من أكتوبر 2023.
فالجيش (الإسرائيلي) النازي استخدم شتى وسائل القتل والترهيب والتدمير ضد الفلسطينيين على مدار 15 شهرًا، على مرأى ومسمع العالم الذي لم يحرك ساكنًا أمام هذه الجرائم التي تعد الأبشع في العصر الحديث.
لكن مؤخرًا، كشفت صحيفة "هآرتس" العبرية عن تصريحات خطيرة منسوبة إلى قادة عسكريين (إسرائيليين) وضباط احتياط خدموا في قطاع غزة، تدل على ممارسات وجرائم ارتكبها جنود الاحتلال (الإسرائيلي) في القطاع، خاصة عند حاجز "نتساريم".
ما يعرف بمحور "نتساريم" يمتد على طول سبعة كيلومترات، بين السياج الأمني الذي يفصل قطاع غزة عن أراضي عام 1948، في محاذاة كيبوتس بئيري وصولًا إلى الساحل. وقد عمدت قوات الاحتلال (الإسرائيلي) إلى إفراغ المنطقة المحيطة بالكامل من السكان، وهدم منازلهم، وتحويل المنطقة إلى قاعدة عسكرية للجيش (الإسرائيلي).
"مكان بلا قوانين"!
في تصريحات صحيفة "هآرتس" العبرية، يروي قائد الفرقة 252 في جيش الاحتلال (الإسرائيلي) عن خدمته في حاجز "نتساريم"، حيث استهل حديثه بأن الحاجز تحول إلى "منطقة قتل"، بحيث كل من يدخل المنطقة يتعرض لإطلاق نار.
وأكد قائد الفرقة أن هناك خطًا يُعرف بـ"خط الجثث" على طول المحور الذي يفصل شمال القطاع عن جنوبه، حيث سقطت عنده جثث الشهداء الفلسطينيين وتركت لتأكلها الكلاب. وأشار إلى أنه يتم تصوير الجثث وإرسال الصور إلى القيادة، موضحًا أن من بين 200 جثة تم تصويرها، تبين أن 10 فقط ينتمون إلى حركة "حماس".
فيما أكد ضابط احتياط خدم في "نتساريم" أن الأوامر كانت تقضي بإطلاق النار على كل من يخترق الحدود، مستهدفين الرأس مباشرة. وتابع قائلًا: "نحن والجنود نتحمل مسؤولية جزء من الرعب الجاري في غزة.. نحن في مكان بلا قوانين وحياة البشر فيه لا قيمة لها".
وفي شهادة أخرى من جنود الاحتلال (الإسرائيلي) لـ"هآرتس"، أشار إلى أن الجيش (الإسرائيلي) يتصرف أحيانًا كميليشيا مسلحة مستقلة دون قوانين أو ضوابط، خاصة في محور "نتساريم"، الذي تحول لساحة لقتل الفلسطينيين.
تُظهر وحشية الاحتلال
أكد صلاح عبد العاطي، رئيس الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني "حشد"، أن الشهادات التي كشفت عنها صحيفة "هآرتس" تُعد فرصة لتعزيز المحاكمة (الإسرائيلية) أمام المحكمة الجنائية الدولية.
وقال عبد العاطي في حديث لـ"الرسالة": "إن شهادات الجنود تؤكد أن الممارسات والجرائم التي كشفتها صحيفة (هآرتس) تصف بعض الوقائع الإجرامية وصورة وحشية وبربرية عن جرائم الحرب (الإسرائيلية) التي جاءت وفق أوامر عسكرية وسياسية بقتل وإبادة كل من هو فلسطيني، عدا عن نزع الصفة الإنسانية عن الفلسطينيين".
واعتبر أن الشهادات التي كشفت عنها "هآرتس" تُظهر وحشية الاحتلال (الإسرائيلي) وسياساته الممنهجة لقتل الفلسطينيين، ما يشكل دليلًا إضافيًا على جريمة الإبادة الجماعية وإدانة لكل من يتبنى رواية الاحتلال (الإسرائيلي) أو يدافع عنه.
وشدد عبد العاطي على أن هذه الشهادات تشكل دليلًا إضافيًا وفرصة لتعزيز المسار القانوني لمحاكمة قادة الاحتلال (الإسرائيلي) ومرتكبي الجرائم البشعة أمام المحكمة الجنائية الدولية.
وجدد دعوته للمحكمة الجنائية الدولية إلى ضم الشهادات الواردة في تقرير "هآرتس" إلى ملفات الأدلة، وتوسيع نطاق مذكرات الاعتقال لتشمل جميع المسؤولين في سلسلة القيادة العسكرية والسياسية (الإسرائيلية) المتورطين في هذه الجرائم، استنادًا إلى مبدأ الولاية القضائية الدولية.
وجرائم جيش الاحتلال (الإسرائيلي) تأتي في إطار حرب الإبادة التي يشنها على القطاع منذ أكثر من 14 شهرًا على التوالي، في الوقت الذي تتجاهل مذكرتا الاعتقال الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بتاريخ 21 نوفمبر 2024 بحق رئيس الوزراء "بنيامين نتنياهو" ووزير الحرب السابق "يوآف غالانت" لارتكابهما جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
انتهاكًا صارخًا للقوانين الدولية
قال د. إسماعيل الثوابتة، مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، إن الاحتلال (الإسرائيلي) لديه نية مبيّتة وممنهجة بارتكاب جرائم قتل وإبادة الفلسطينيين العزل بكل ما تحمل الكلمة من معنى.
وأضاف الثوابتة في حديث لـ"الرسالة": "إن السلوكيات الإجرامية التي ينتهجها الاحتلال (الإسرائيلي) هي القتل الممنهج على محور "نتساريم"، حيث قام جنود الجيش (الإسرائيلي) بإعدام مئات المواطنين المدنيين على هذا المحور، بينهم عشرات الأطفال والنساء بدم بارد وبدون أسباب".
وأكد أن هذه الممارسات الإجرامية تمثل انتهاكًا صارخًا للقوانين الدولية ومواثيق حقوق الإنسان، وتؤكد مجددًا الطبيعة العدوانية للاحتلال (الإسرائيلي) الذي يمارس الجريمة والإبادة على مدار 15 شهرًا متواصلة.
وتابع: "نحن ندين بأشد العبارات الجرائم التي يرتكبها جيش الاحتلال (الإسرائيلي) ضد المدنيين، وخاصة على محور "نتساريم". وهذه الجرائم تتطابق مع تصريحات من مسؤولين لدى الاحتلال (الإسرائيلي) عندما تحدثوا وقالوا إننا نريد أن يبقى الفلسطينيون كالبط يتم اصطيادهم وقتلهم على مدار الساعة".
وكان جيش الاحتلال (الإسرائيلي) قد أعاد السيطرة على محور "نتساريم" في 5 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي عبر الفرقة 36، وكان الغرض من الاحتلال (الإسرائيلي) المتجدد تطويق مدينة غزة كجزء من المعركة وتقسيم القطاع إلى قسمين.
جريمة حرب مكتملة الأركان
وأكد مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أن استهداف الأبرياء يعد جريمة حرب مكتملة الأركان وفقًا لاتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، وخاصة المادة الثالثة المشتركة التي تحظر بشكل قاطع الاعتداء على المدنيين أثناء النزاعات المسلحة، كما أن هذه الأفعال تتعارض مع نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، الذي يُصنف القتل العمد للمدنيين ضمن الجرائم التي لا تسقط بالتقادم.
وقال: "إن مواصلة الاحتلال (الإسرائيلي) سياسة العقاب الجماعي، والاعتداء على الممتلكات المدنية، واستهداف الأحياء السكنية، كلها تشكل انتهاكات جسيمة للقانون الإنساني الدولي، ونؤكد أن هذه الأفعال ليست مجرد حوادث فردية، بل هي جزء من سياسة ممنهجة تهدف إلى تهجير شعبنا الفلسطيني وتدمير البنية الاجتماعية والاقتصادية إضافة إلى القتل والإبادة الجماعية التي تتم بضوء أخضر أمريكي وبريطاني وألماني وفرنسي".
وأشار الثوابتة إلى أنه منذ بدء حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، وضع جيش الاحتلال (الإسرائيلي) "نصب عينيه أهدافًا ثلاثة تحدث عنها وزراء في حكومة الاحتلال (الإسرائيلية).
أول هذه الأهداف هو القتل والإبادة، ونحن اليوم ومع مرور قرابة 15 شهرًا من الحرب على قطاع غزة نتحدث عن أكثر من 165,000 ضحية ما بين شهيد ومفقود ومصاب ومعتقل، وفقًا لما تحدث به الثوابتة لـ"الرسالة".
أما الهدف الثاني الذي أشار إليه، فهو التدمير الشامل لجميع القطاعات الحيوية في غزة، حيث أحدثت حرب وجريمة الإبادة الجماعية التي ينفذها جيش الاحتلال (الإسرائيلي) في القطاع، ويشارك فيها أكثر من 18 دولة، أضرارًا هائلة وغير مسبوقة في 15 قطاعًا حيويًا. حيث بلغت التكلفة الإجمالية للخسائر الأولية المباشرة لهذه القطاعات أكثر من 37 مليار دولار.
فيما الهدف الثالث الذي يؤكد الثوابتة، هو التهجير القسري لأهالي قطاع غزة بهدف تفريغ القطاع من سكانه وإضعاف صموده، ثم تنفيذ مخططات الاحتلال (الإسرائيلي) تجاه قطاع غزة بالتدمير والاحتلال والسيطرة.
وطالب الثوابتة المجتمع الدولي والأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان بضرورة تفعيل آليات التحقيق والمساءلة وفقًا للبروتوكولات الدولية المعمول بها، قائلًا: "إن استمرار إفلات الاحتلال (الإسرائيلي) من العقاب يُشكل تشجيعًا ضمنيًا له على ارتكاب المزيد من الفظائع والجرائم".
ودعا مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، محكمة الجنايات الدولية إلى تسريع تحقيقاتها وفتح ملفات الانتهاكات المستمرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
منذ بداية التوغل البري في قطاع غزة، يقوم الجيش (الإسرائيلي) بتوسيع ما يسمى محور "نتساريم" (مفرق الشهداء) وربطه بطرقات عسكرية متفرعة وقواعد جديدة في منطقة شمال القطاع، وذلك تحت ذريعة منع عودة المسلحين إلى المنطقة وتحويله إلى منطقة ارتكاز لانطلاق العمليات البرية.
وتنتشر قوات الاحتلال (الإسرائيلي) على طرقات ومحاور عسكرية متفرعة من محور "نتساريم"، وذلك في شريط غير محدد من شمالي القطاع، من بينها المحور العسكري "مفساليم" الذي يبلغ عرضه نحو 3 كيلومترات وفي وسطه منطقة عسكرية جديدة