أشرقت شمس اليوم الأول بعد إعلان وقف إطلاق النار، ونام الغزيون ليلتهم الطويلة بهدوء لم يعيشوه منذ 470 يومًا. كان كثيرون منهم يرثون أحبتهم، ويفتقدون بيوتهم. ومع ذلك، سمح لسكان مدينة رفح بالعودة إلى بيوتهم.
الركام في المدينة يغطي عيون العائدين. بين دموعهم، يراقب كل واحد منهم الحجارة الساكنة التي طالما شهدت على شقاء العمر، ويرددون: "العوض من الله، المهم غزة بخير، والمقاومة بخير."
في ساعات الصباح الأولى، يعبر الاحتلال عن قهره، ويستمر في محاولة الإبادة. سلاحه الوحيد في مواجهة انكساره الكبير هو القتل، لكن غزة لا تخضع. الاحتلال ينفذ هجماته بعد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، ولكن ما يراه في أعين الغزيين هو الصمود المستمر. رغم كل شيء، غزة لا تنكسر.
يقف أهالي قطاع غزة فوق ركام بيوتهم أو بين خيامهم، يوزعون الحلوى، يحملون أبناءهم، ويرقصون فرحًا بالسلام الذي يعرفونه وحدهم. يتذكرون الخذلان الذي كان يقتلهم ألف مرة منذ السابع من أكتوبر 2023، لكنهم يعلمون جيدًا أنهم باقون شوكة في حلوق الجميع.
الصحافيون يخلعون دروعهم، يمسحون عن جبينهم العرق المتصبب، ويستنشقون نفسًا عميقًا للمرة الأولى من سماء غزة الملبدة ببقايا الدمار. ليست غزة مدينة مؤهلة للحياة، ولا هي جميلة كغيرها من المدن. مدفونة تحت ركام حجارة الردم، تتناثر بين جنباتها عظام الشهداء، لكنها تبقى الوطن الوحيد الذي لا يعرفون سواه، ولأجله ينهضون بعد كل حرب، واقفين لا يكسرهم موت أو قصف.
ومثلهم يفعل رجال الدفاع المدني، يركبون عرباتهم المكسرة، يرتدون دروعهم البرتقالية، ويهتفون.
يقنص الاحتلال فرحة الغزيين، يبدأ القتل مرة أخرى، رغم دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ. واحد، اثنان، 14 شهيدا من شرق خان يونس، كانوا يريدون نشر الفرح فوق ركام بيوتهم وبين سنابل مزارعهم الميتة، لكن الاحتلال قتل فرحتهم، دون أن تكسر المدينة.
غرد أبو عبيدة، المتحدث باسم القسام، ولعله أصبح متحدثا باسم الوطن العربي دون أن يشعر، قائلاً: "لقد أفرجنا عن ثلاث أسيرات لدى المقاومة، وسنسلمهن خلال ساعات للصليب الأحمر."
وكان المشهد غير متوقع. تسمر العالم أمام شاشات التلفاز التي كانت تنقل مباشرة من قلب مدينة غزة، من أكثر الشوارع ازدحامًا وانكشافًا. خرج رجال القسام بعربات مصفحة. سأل الجميع: "أين كانوا؟ وفي حماية من؟" وردت امرأة عجوز من بعيد: "في حماية العزيز القهار."
تفتح العربات، ويخرج الأبطال الملثمون، يرافقون ثلاث نساء كاملات العافية، بملابسهن الزاهية، وبشعرهن المصقول، مرآة للسجان المسلم الذي يعرف كيف يصون أسراه. ينتقلن بسلام من مكان لآخر في وضح النهار على يد العاملين في الصليب الأحمر، ليصلن في النهاية إلى سيارات جيش الاحتلال، ثم تنتهي المهمة.
تخبرنا المواقع الإسرائيلية أن حماس قدمت للأسيرات الإسرائيليات "هدايا تذكارية" من غزة، ويقال إن أكياس المفاجآت الساخرة من حماس تضمنت خريطة لقطاع غزة وصورًا من الأسر!
سخرية المقاتل من قلب المعركة جزء من القتال. المقاتل الذي يعلم الثمن الذي دفعته المدينة وأهلها، بل ما دفعه هو وأهله. ومع كل قتل، يزداد شموخه، فيسلم رسائله عبر الأسيرة إلى نتنياهو: "لعلك لا تعلم أن جذورنا باقية هنا، نحن شعب لا يموت."
ويعترف المحللون الإسرائيليون: "إن دولة الاحتلال لم تحقق هدفها الأساسي من الحرب وهو تدمير حماس، فحماس لا تزال متجذرة في غزة، واتفاق وقف إطلاق النار يعزز مكانتها."
تلك الفجوة التي كان يراهن الاحتلال على حفرها بين الفلسطينيين والمقاومة لم تكتمل. جميع الغزيين، رجالًا ونساء، هتفوا جميعًا معًا، كما جمعهم رجال المقاومة الملثمين، بعد أن فرقتهم صواريخ المحتل.
القناة 12 العبرية تعترف: "حماس احتفظت بقوتها، وما يحدث الآن يؤكد وجودها في كل مكان وسيطرتها على القطاع رغم الحرب الطويلة."
وفجأة، رفع العالم المتواطئ يده عن الاحتلال، فدخلت 552 شاحنة مساعدات إلى قطاع غزة في اليوم الأول، منها 242 شاحنة إلى شمال القطاع. فتحت أبواب المعتقلات لـــ 90 أسيرة، وغادرت طائرات الاستطلاع. بكى الفاقدون أحبتهم للمرة الأولى، نثروا على وجوههم تراب الأرض التي، رغم كل الدماء التي سالت عليها، ظلت باقية. دفنت فيها مشاريع الاحتلال الاستعمارية ورفعت غزة رايتها العالية. قالت المقاومة كلمتها الأخيرة: كلمة واحدة، باقية للأبد.