قائمة الموقع

عودة إلى مدينتي

2025-02-13T06:47:00+02:00
شادي أبو صبحة
شادي أبو صبحة

سافرت عبر الطرق التي كانت قدماي تعرفها جيدًا، وصولًا إلى المكان الذي كان يومًا ما ملاذًا لي، شعرت بأنني عدت إلى مكان ما داخل قلبي، إلى مكان لم تلمسه الحروب ولا القنابل.

 وجدت بيتي مجرد كومة من الأنقاض، فلا شيء في المكان يبدو كما كان، وصمت المدينة المطبق من حولي كأنها تبكي أيضًا على ما فقدته. فقد كانت، يومًا ما، نابضة بالحياة، ولكنها الآن تطغى عليها خيالات الماضي التي لم تعد حقيقية.

شعرت وكأنني أعيش في حلم بعيد، حيث تختلط الذكريات بالألم، وبينما كنت أمشي وسط الأنقاض، لم أستطع سوى أن أتذكر كل شيء كما كان، ولكن مع فقدان للواقع الذي عشته في كنف أهلها.

لم يكن الألم في رؤية منزلي المدمر فقط، بل كان في فقدان صديقي وأطفاله الذين كانوا جزءًا من حياتي اليومية. فقد كان صديقي حاضرًا في كل زاوية في المدينة، في الزقاق الضيق، وبين الأحياء التي كانت مليئة بالضحكات والقصص قبل عام. حتى بعد غيابه، كان وجوده ملموسًا في كل شيء حولي. في كل زاوية، كانت صور تجمعنا معًا تظهر في ذهني، وكأنني أراه يمشي مبتسمًا مع أطفاله كما كان يفعل في الماضي.

حزني على صمت المدينة الشهباء التي كانت تحتضن أوجاعنا وأحلامنا ومستقبل تعبنا في بناءه معًا يدًا بيد.

بيتي، الذي كان يومًا ما مأوى للسلام، أصبح الآن مجرد كومة من الرمال، تحمل بين طياتها ذكريات محطمة.

الأرض التي نشأت عليها، وشهدت خطوات أحلامي، لم تعد قادرة على احتضان تلك الذكريات. عندما داستها المدرعات، وكانت تحاول اقتلاع جذوري من عمقها. كانت عجلاتها الثقيلة تطحن كل شيء فيها كأنها تسير فوق قلبي.

وفي لحظات، شعرت بأنني فقدت كل شيء، حتى نفسي. لكن رغم كل ذلك، لم أستطع نزع تلك الذكريات من عقلي، لأنها تجسيد لهويتي، ولعلاقات نمت في المدينة لا يمكن أن تندثر.

نيران المدافع التي ملأت الأجواء دفعتني إلى أقصى حدود الألم، فتناثرت أشيائي كحبات الحصيد في الهواء، بلا هدف. لم أتمالك دموعي المشتعلة في داخلي، التي كانت تحترق بين جفوني كما تحترق أرضي تحت نيرانهم. فقدت دفء بيتي، وفقدت دفء مدينتي الحنونة، التي كانت يومًا ملاذًا للسلام. كانت مكتبتي، ملجأ أوقاتي الصعبة، قد تفرقت كملابس قديمة تحمل قصصًا من الماضي. تبعثرت أيضًا مسبحتي، رفيقتي في الصلوات، ولوحة التعليم وكتاب المستقبل. دمرت القنابل كل شيء في لحظة واحدة.

اليوم، أسير في طرقات مهدمة، مفعمة بالحقد الصهيوني، وكل خطوة تذكرني بزمن بعيد، كان فيه الضحك يتناثر هنا، حيث صلينا معًا العيد، ومشينا وتبادلنا الكلمات بكل حب. لكن هل يمكن لتلك اللحظات أن تعود كما كانت؟ أم أن المدينة ستظل حزينة، تشبه سماء الخريف التي تلبس ثوب الحزن؟ السماء التي تمطر ذكريات تتناثر في الرياح، وتتركنا أمام سؤال واحد: هل سيعود الزمن إلى الوراء، أم أن الذكريات هي كل ما سيبقى؟

جزء مني رفض الاستسلام، حتى في ظل الدمار من حولي، فقد كانت هناك شعلة من الأمل تشتعل بداخلي، تهمس لي أنني سأظل هنا حتى وإن كنت في خيمة أو تضللت السماء، سأظل في قلب هذا المكان المدمر، وسأعيد بناء ما تهدم.

 الزهراء، رغم كل ما مرت به، لا تزال حية فينا، في ذكرياتنا، وفي كل زاوية من شوارعها.

اخبار ذات صلة