أفرزت الحرب على غزة مهنًا جديدة بعد أن قضت على أخرى، ورفعت معدل البطالة إلى مستويات غير مسبوقة.
ففي الوقت الذي دمرت فيه الحرب العديد من القطاعات الاقتصادية، مثل الصناعة والزراعة والسياحة، ما أدى إلى فقدان آلاف العمال لوظائفهم، نشأت مهنٌ جديدة تتكيف مع واقع الحرب وتداعياتها.
وتجدر الإشارة إلى أن معدل البطالة خلال شهور الحرب سجّل مستوى قياسيًا في قطاع غزة، متجاوزًا 80%، في مؤشر على التدهور الحاد الذي أصاب الاقتصاد المحلي.
كفاح من أجل لقمة العيش
العشريني شاكر خميس، من بيت لاهيا شمال غزة، بدأ خلال الحرب بالعمل على "كارة" لتوصيل المساعدات للمواطنين، بعد أن فقد وظيفته السابقة في محل لبيع البقوليات بفعل المجاعة ومنع الاحتلال (الإسرائيلي) إدخال البضائع إلى شمال غزة.
يقول خميس: "مع توقف المركبات عن العمل، لم يكن أمامي خيار سوى استخدام العربة اليدوية لكسب قوت أطفالي الثلاثة". ورغم أن دخله اليومي قد انخفض مقارنة بوظيفته السابقة، إذ كان يحصل على 40 شيكلًا يوميًا في بيع البقوليات، بينما لا يتجاوز دخله الحالي 30 شيكلًا في أفضل الأحوال، إلا أنه يرى في مهنته الجديدة فرصة للاستمرار في ظل الظروف القاسية.
أما خالد أبو الكاس، فقد وجد في إزالة الركام عن منازل المواطنين مصدر رزق جديدًا. فمع دمار المنازل بفعل القصف، ازداد الطلب على تنظيف الأنقاض لنصب الخيام فوقها.
يقول أبو الكاس: "هذه مهنة شاقة لكنها تتيح لي كسب قوت يومي. قد تكون مؤقتة وتنتهي بانتهاء الحرب، لكنني مستعد للعمل في أي مجال متاح، لأن البطالة تضرب الجميع بقوة".
بطالة غير مسبوقة وأوضاع اقتصادية خانقة
وتعاني فلسطين من معدلات بطالة مرتفعة وفجوة اقتصادية بين الضفة الغربية وقطاع غزة. فخلال عام 2024، ارتفع معدل البطالة إلى 51%، حيث بلغت 35% في الضفة الغربية، بينما تجاوزت 80% في غزة، مقارنة بـ 31% خلال عام 2023 (18% في الضفة الغربية و53% في غزة).
كما انخفضت نسبة المشاركة في القوى العاملة في فلسطين إلى 40% عام 2024، مقارنة بـ 44% في العام السابق، حيث بلغت 36% في قطاع غزة بعد أن كانت 40%، وفي الضفة الغربية وصلت إلى 43% بعد أن كانت 47% خلال نفس الفترة.
وقبل العدوان (الإسرائيلي) على غزة، كانت معدلات الفقر تتجاوز 63%، حيث يُعرَّف خط الفقر في فلسطين عند 2,717 شيكلًا إسرائيليًا شهريًا، بينما بلغ خط الفقر المدقع 2,170 شيكلًا. ومع استمرار الحرب، لم يعد الفقر مجرد أرقام، بل تحول إلى مجاعة حقيقية وانعدام أمن غذائي شامل.
ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية
أدى النقص الحاد في السلع الواردة إلى قطاع غزة، نتيجة العدوان والحصار، إلى ارتفاع جنوني في الأسعار بنسبة 227%، مما زاد من معاناة السكان. كما ارتفعت أسعار المستهلك في الضفة الغربية بنسبة 3%، ما أدى إلى انخفاض القوة الشرائية للمستهلك الفلسطيني بمعدل 33%، بواقع 70% في غزة و3% في الضفة.
ورغم هذه الظروف القاسية، يواصل الغزيون البحث عن أي فرصة للعمل، ليعيدوا بناء حياتهم من تحت الركام. وبينما تحاول الحرب أن تسلبهم كل شيء، يثبتون كل يوم أن الإرادة أقوى من الدمار، وأن الحياة تستمر رغم كل المعوقات.