في تلك الليلة الباردة، بعد منتصف الليل، كانت أسماء شتات نائمة و أطفالها الثلاثة في الأرض التي نزحت إليها مع زوجها في منطقة البركة بدير البلح. لم تكن تعلم أن هذه اللحظات قد تكون الأخيرة معهم قبل أن تخطفها قوة خاصة تابعة للاحتلال هي وزوجها من داخل الأرض.
فجأة، اخترقت أصوات الآليات العسكرية سكون الليل، لتضيء سماء المكان بقنابل الإنارة، ووسط صرخات الأطفال، كانت قوات الاحتلال تطوق المكان، موجهة أسلحتها في وجه أسرة لم يكن سلاحها سوى الأمل في حياة آمنة.
قبل أن تستوعب أسماء ما يحدث، كان جنود الاحتلال يقتحمون المكان، يقيدون يديها وزوجها، بينما كُبّلت أيادي أطفالها الثلاثة وألقي بهم على الأرض، ليبقوا هناك حتى طلوع الشمس، وحدهم إلى أن جاء لهم الجيران في الصباح، أما أسماء، فاقتيدت إلى المعتقل دون أن يُسمح لها بتغطية شعرها أو تبديل ملابسها، في انتهاك متعمد لإنسانيتها.
رحلة أسماء مع المعاناة لم تبدأ داخل الزنزانة، بل منذ اللحظة الأولى لتحقيقها. لم يكن المحقق بحاجة إلى الضغط الجسدي لإيذائها، فقد عرف جيدًا نقطة ضعفها: أطفالها. كانت تهديداته واضحة وقاسية: “من تريدين أن نقتل من أبنائك؟”. كيف يمكن لأم أن تختار بين صغارها؟ كان الاحتلال يدرك أن أسماء عانت لسنوات قبل أن تُرزق بأطفالها الثلاثة، فقد جاء طفلها الأول بعد ثماني سنوات من الزواج، والثاني بعد خمس سنوات، والثالث بعد خمس سنوات أخرى. كان كل واحد منهم قطعة من روحها، وحين حاولوا كسرها بهذه التهديدات، لم يجدوا سوى الصمت في عينيها، صمت امرأة قررت ألا تنهار.
في الزنازين، كانت أسماء تواجه عالماً آخر من العذاب. لم يكن الاحتلال بحاجة إلى القيود الحديدية، فكان البرد القارس سلاحًا آخر لتعذيبها. طوال ليالي الشتاء، تُركت الأسيرات في زنازينهن مع تشغيل أجهزة التبريد الباردة، دون أغطية كافية، ودون طعام يسد جوعهن.
حتى حقها في الدفاع عن نفسها انتُزع منها، فحين وقفت أمام القاضي تحاول الرد على الاتهامات الباطلة بأنها “تنتمي إلى تنظيم إرهابي”، كانت المجندة تقطع صوتها عن المحكمة، كأن الاحتلال يريد أن يصادر حتى كلماتها.
بعد أحد عشر شهرًا من الظلم، فتحت أبواب السجن أخيرًا، لكن أسماء لم تخرج كما دخلت. لم تكن مجرد لحظة حرية، بل لحظة ميلاد جديد، حين احتضنت أبناءها لأول مرة بعد كل هذه الأشهر. كان أصغرهم، الذي لم يتجاوز العامين، ينظر إليها كأنه يحاول التعرف إليها من جديد.
لكن الفرحة كانت منقوصة. زوجها لم يكن هناك، فما زال قابعًا خلف القضبان، لكنها رغم ذلك قررت بعد يومين فقط من الإفراج عنها، وبينما كان الجميع يتوقع أن تنشغل بأبنائها، عادت أسماء إلى مدرستها في دير البلح ، لتقف أمام طالباتها، كأنها تقول للعالم: “الاحتلال قد يأخذ منا كل شيء، لكنه لن يأخذ إرادتنا. غزة لن تصبح أرضًا للجهل، ستبقى منارة للعلم والصمود”.
بين زنزانة باردة وقاعة صف مكتظة بالطالبات، تمتد قصة أسماء شتات كحكاية فلسطينية أخرى تُروى للأجيال.
لم يكن اعتقالها سوى محاولة فاشلة لكسر إرادتها، لكنها عادت أقوى، لتُعلم طالباتها ليس فقط العلوم، بل درسًا لا يُنسى في الصمود.
اليوم، تقف أسماء بينهن، تحمل قلمها كمن يحمل سلاحًا في معركة الوعي، لتؤكد أن غزة، رغم كل شيء، لا تُهزم