قائمة الموقع

حماس ومستقبل غزة.. من ابتلع المنجل؟!

2025-03-05T12:59:00+02:00
الرسالة نت - محمود هنية

 

تكشف مذكرات وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس، التي حملت عنوان "أسمى مراتب الشرف"، عن خيوط اللعبة التي حاكها رئيس السلطة محمود عباس حين أصرّ على مشاركة حماس في الانتخابات المحلية والتشريعية عامي 2005 و2006.

كانت فتح، بمختلف توجهاتها، تحذر من فوز محقق للحركة الخصم سياسيًا، في ظل حالة التشظي والتفكك التي كانت تعيشها فتح آنذاك، ولم تكن استطلاعات الرأي تخطئ في إظهار تراجعها المهيب في أي انتخابات محتملة.

ومع ذلك، استمر عباس في الإصرار، رغم مؤشرات المرحلتين الأولى والثانية من الانتخابات المحلية، حيث اكتسحت حماس النتائج بشكل باهر. جاءت رايس تحمل في طياتها الحيرة من هذا الإصرار، "فكان الرد على حماس أن تتحمل مسؤوليات المواطنين وتغرق في وحلها".

ضغطت واشنطن عبر أطراف إقليمية، حملت ضمانات باحترام أمريكا لنتائج الانتخابات، فوافقت حماس، بوصفها حزبًا سياسيًا عاد لتوّه من مرحلة تحرير قطاع غزة، ورغبت في بناء شراكة سياسية مع الأطراف الأخرى لإدارة المرحلة المقبلة، تجنبًا لسيناريو الاقتتال الداخلي، الذي كان يمكن حدوثه في حال رفضت الانخراط في الانتخابات.

شاركت الحركة، وحصدت فوزًا تاريخيًا على الساحة الفلسطينية والعربية، فوز أعقبته خطة حصار مشددة، انتهت بعزل غزة بعد اقتتال داخلي، كان يشرف عليه محمود عباس شخصيًا، حتى وصل به الأمر إلى طلب الاستنكاف من عناصر السلطة، وترك غزة تحت حكم حماس وحدها، لتبتلع ما كان يسميه عباس بـ"المنجل"، لكنه بقي عالقًا في زورها.

حماس.. سنوات من الحصار والصمود

قادَت حماس القطاع بحكم الأمر الواقع وتعقيداته، وظلّت تكتوي بنار الحصار مع أبناء شعبها لسنوات طويلة، رغم محاولاتها المتكررة للوصول إلى انتخابات تنهي حالة الانقسام وتعيد ترتيب الوضع الفلسطيني.

في عام 2014، وجّه عباس وفدًا من منظمة التحرير إلى حماس، مهددًا إياها: إما تسليم السلطة أو عزل القطاع واعتباره كيانًا متمردًا. فجاءه رد تاريخي من الحركة، حيث وافقت على تسليم نتائج انتخابات عام 2006 والتنازل عن أول حكومة منتخبة برئاسة الشهيد إسماعيل هنية.

ابتلع عباس منجل حماس، لكنه سرعان ما قذفه! عبر إفشال مساعي المصالحة آنذاك، ثم عاد عام 2017 ليتخذ إجراءات جديدة، مثل تقليص الرواتب، فردّت حماس بابتلاع "منجل" آخر، عندما سلّمت القطاع بالكامل، كما كان ينادي عباس، بقرار من قائدها آنذاك، الشهيد يحيى السنوار.

عند قدوم رئيس الوزراء آنذاك، رامي الحمد الله، برفقة حسين الشيخ وماجد فرج، كانا يحملان أسلحة غير تقليدية في سياراتهم، وعندما كشفتها حماس، غادروا القطاع في اليوم الأول.

مرت أيام قليلة، ثم انتهت المحاولة بمسرحية هزلية عنوانها: محاولة اغتيال رامي الحمد الله.

انتخابات 2021.. عباس يهرب مجددًا

في عام 2021، وافقت حماس على إجراء انتخابات تشريعية ومحلية، لكن عباس ألغى الانتخابات في اللحظة الأخيرة.

أدركت جميع الأطراف، وعلى رأسها الوسطاء الإقليميون، أن عباس يرفض ترتيب البيت الفلسطيني أو تسلم غزة تحديدًا، في محاولة لإبقاء حماس تبتلع "منجل" الحكم في القطاع المحاصر، الذي بات في كثير من الأحيان يُقاس بمعادلة الطعام والشراب أمام موازين القوة والحق!

السنوار وكسر المعادلة

قاد الشهيد يحيى السنوار محاولات شعبية عبر مسيرات العودة الكبرى، سعيًا لتخفيف آثار الحصار عن القطاع، ونجح فعليًا في تحسين الأوضاع المالية للسكان. حتى أن وزير الحرب الإسرائيلي السابق، أفيغدور ليبرمان، صرّح:

"غزة يجب أن تغرق، ويبقى فقط أنفها فوق الماء"!

أي أنهم كانوا يسمحون فقط بإدخال الحد الأدنى من الاحتياجات لإبقاء السكان أحياء، دون توفير حياة كريمة.

أمهل السنوار العالم عامًا كاملاً بعد معركة سيف القدس، وقال في خطاب شهير:

"حتى نهاية العام، إذا لم يُرفع الحصار عن غزة، سنقلب الطاولة ونحرق الأخضر قبل اليابس".

مع نهاية العام، وخلال مهرجان انطلاقة حماس، جدّد السنوار تهديده، وطلب من العالم التدخل لإنقاذ غزة.

لم يستجب أحد، بل بات التهديد موضع سخرية لدى الإعلام الإسرائيلي، ليفاجئ العالم لاحقًا بـطوفان الأقصى، في معركة كان أحد أهدافها الأساسية رفع الحصار الكامل عن قطاع غزة.

ما بعد الطوفان.. المنجل يعود لمن صنعه

بعد المعركة، أصبح الهدف الإسرائيلي الأول:

"لا نريد حماس في حكم غزة!"

وانتهى بذلك المفهوم الإسرائيلي القديم، القائم على أن غزة يجب أن تبقى تحت السيطرة الإسرائيلية عبر الحصار الاقتصادي والسياسي.

تحركت أطراف إقليمية ودولية معروفة، تنادي بـ"اليوم التالي"، وهو اليوم الذي لا وجود لحماس فيه، رغم دعوات الحركة المستمرة لإجراء انتخابات حرة تنهي الحصار.

لكن حماس، وبعد 15 شهرًا من الإبادة، أطلقت موقفها:

"نحن اليوم التالي والطوفان، ومع ذلك، لا مانع لدينا من التنحي عن إدارة غزة، ولكن وفق محددات وطنية."

يعتقد البعض أن هذه خطوة انتصار سياسي، فيما يرى آخرون أنها خطوة لإزالة "المنجل" الذي ظنوا أن حماس قد بلعته وأعاقها عن معركة التحرير. لكن المفاجأة كانت أن هذه السلطة التي أدارتها حماس في غزة لم تكن إلا محطة لتعزيز قوتها العسكرية والبنية التحتية، وتقوية حضورها الميداني، وتمكينها في مجالات عديدة، أمنيًا وعسكريًا ومجتمعيًا.

 

اخبار ذات صلة