لطالما قدّمت المرأة الفلسطينية، والغزية تحديدًا، نموذجًا مُحيّرًا للقوة والثبات. تتجسد هذه الصورة في امرأة حضرت عرضًا لكتائب القسام، كانت تجلس على كرسي بين النساء، وتقول: "فقدتُ كل أولادي مقاومين، وأنا فخورة بهم".
كلمتان يقف البشر عاجزين أمامهما، فهي لم تجنِ من هذه الحرب سوى الفقد: فقد البيت، والأولاد، والمال، ورغم ذلك تشعر بالفخر لأنها قدّمت لأجل الحق ما استطاعت.
يمر العام تلو العام، وتثبت المرأة الغزية أنها أهلٌ للحمل الثقيل، في كل مكان: في المستشفيات، على المعابر، وعلى الطرقات التي تقطعها الحواجز.
يسلمن أبناءهن للمقاومة راضيات، ويكملن الطريق بقلوب مكسورة، لكنها تحمل ما عجز رجال العالم عن حمله.
الصحافة... ثمن الحياة
في 11 نوفمبر الماضي، اغتال الاحتلال (الإسرائيلي) الصحفية إيمان الشنطي. لم تكن إيمان مجرد صحفية؛ بل كانت قبل كل شيء أمًّا يسكنها الخوف.
كانت تبوح بذلك لصديقاتها المقربات، وحيدةً في بناية هجَرها الجميع. نزلت القذيفة لتحسم أمر الخوف.
تركت وراءها ابنةً وحيدةً تعاني من إصابة بالغة، ستكون شاهدة على الحكاية: حكاية المرأة الفلسطينية التي تعرضت حياتها وحياة عائلتها لأبشع أنواع القتل والتدمير.
كانت إيمان صوتًا نابضًا يروي معاناة غزة وسط العدوان، فاستشهدت مع زوجها وأطفالها الثلاثة: ألما، وبلال، وعمر، إثر غارة استهدفت منزلهم في حي الشيخ رضوان شمال غرب غزة.
إصرار على التحدي
آية حسونة، شابة فلسطينية حملت في قلبها جراحًا أثقلتها، لكنها أبت إلا أن تحول تلك الجراح إلى قوة تستمد منها عزيمتها.
بعد أن فقدت زوجها وطفليها، حمزة ورغد، في قصف (إسرائيلي) استهدف مكان نزوحهم جنوب قطاع غزة في أغسطس 2024، وجدت نفسها وحيدةً تحمل عبءَ الذكرى ووجع الفقد.
ومع ذلك، لم تستسلم آية للانكسار، بل جعلت حبها لعائلتها الشهيدة دافعًا للسير قدمًا.
في 9 يناير 2025، أعلنت بفخر حصولها على درجة الماجستير في الجغرافيا ونظم المعلومات الجغرافية، وكتبت: "وهبت دراستي صدقةً لروح زوجي وأطفالي الشهداء، وإلى شهداء فلسطين".
اختارت آية أن يكون عنوان دراستها: "إدارة الخدمات الصحية الحكومية باستخدام نظم المعلومات الجغرافية في قطاع غزة"، لتثبت أن العطاء يمكن أن ينبع حتى من عمق الألم.
إنجاز آية ليس مجرد شهادة أكاديمية، بل رسالة حياة تصرخ بأن الفلسطينيين، مهما بلغت الجراح، سيظلون واقفين، يصنعون الأمل وسط الدمار.
الطبيبة الأم
الدكتورة تغريد العيماوي، الطبيبة الفلسطينية التي اعتادت أن تحمل أرواح الآخرين على أكتافها بحرص، وجدت نفسها في لحظة فاجعة تحمل بين يديها روحًا سكنت الأبدية مبكرًا.
كان طفلها الرضيع الخداج يرقد في حضانة المستشفى الأندونيسي حيث تعمل، يصارع الحياة تحت جهاز التنفس الصناعي، حتى جاء الاحتلال وقطع الكهرباء، ليترك صغيرها بلا نسمة حياة.
عندما ذهبت تغريد إلى الحضانة لترى وليدها، لم تجد سوى جسده الصغير وقد خفتت عنه أنفاسه. فتحته وضمت جسده البارد بين ذراعيها، لكنها لم تبكِ، كما تقول، بل تساقطت دمعة واحدة فقط، صامتة كصوت الحزن الذي احتضن قلبها. ثم طلبت من المسؤولين أن يلفوا صغيرها، وحملته برفق الأم وعزيمة الطبيبة.
عادت به إلى خيام النازحين، وهناك، بعد الاستئذان من الحاضرين، حفرت قبرًا صغيرًا بيدها، بمساعدة من كانوا معها.
وضعت صغيرها في مثواه الأخير، لكنها لم تستطع أن تحتمل اللحظة حين بدأ التراب يغطي جسده الصغير.
بصوت مكسور وحسرة عميقة، قالت تغريد: "كل طفل أراه يجري أتخيله ابني... كيف سيكون شكله الآن؟ هل سيكون أشقرًا كأخته الكبيرة، أم أسمرًا كالصغيرة؟"
اعترافها كان موجعًا، فالأمومة التي اغتالتها آلة الحرب لم تتركها بسلام، لكنها رغم الألم بقيت تحمل ذكراه في قلبها، وتواجه حياةً لم تعد كما كانت.
قصص لا تصدقها العقول
قصص كثيرة لا يستوعبها عقل مرت على ذاكرة الغزيين في حرب الإبادة.
(أم أحمد)، التي أصرت على إخراج ابنها من تحت ركام المنزل بعد مائة يوم من استشهاده، رتّبت عظامه فوق بعضها البعض، وحملته، وسارت به في جنازة مهيبة، وهي تردد: "أحمد حبيب الله".
لم تكن قصتها حلمًا أو خيالًا، بل كانت واقعًا من الإبادة والقتل والمعاناة.
عاشت بقلبها، وسارت بالخوف والحزن، لكن أمومتها بقيت صامدة، وهي تعلم أن ثمن الحرية كبير.
أرقام وإحصائيات
أكد رئيس المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة، سلامة معروف، في بيان صدر بمناسبة يوم المرأة العالمي، حجم المعاناة الكبيرة التي تواجهها النساء في القطاع نتيجة الحرب المستمرة.
وقال معروف في البيان، اليوم السبت: "نذكّر المجتمع الدولي المحتفي بحقوق المرأة بمجازر الاحتلال الصهيونازي بحق النساء خلال حرب الإبادة في غزة".
وسرد الإحصائيات المفجعة التالية:
12,316 شهيدة قتلهن الاحتلال بدم بارد.
13,901 امرأة ترملت وفقدت زوجها ومعيل أسرتها.
17,000 أم ثكلت بفقدان أبنائها.
50,000 امرأة حامل وضعن مواليدهن في ظروف غير إنسانية.
162,000 امرأة أصيبت بأمراض معدية.
2,000 امرأة وفتاة سيلازمهن الإعاقة جراء بتر أطرافهن.
كما سلط الضوء على معاناة النساء المعتقلات، قائلًا إن "عشرات النساء تم اعتقالهن وتعرضن للتعذيب داخل المعتقلات".
يُذكر أن اليوم العالمي للمرأة هو احتفال عالمي سنوي يُقام في الثامن من مارس، ويهدف إلى إبراز دور المرأة في المجتمعات، والاعتراف بإنجازاتها في مختلف المجالات.
لكن في غزة، لا يُحتفل بهذا اليوم بالورود والهدايا، بل بالدموع والصمود، حيث تقف المرأة الفلسطينية شامخة رغم الألم، وتثبت أن العطاء لا حدود له، حتى في أحلك الظروف.