قائمة الموقع

من داخل السجون.. كيف تنتزع سلطات الاحتلال اعترافات الأسرى؟!

2025-03-11T04:47:00+02:00
الرسالة نت - محمود هنية

لم تتوقف الدعاية الإسرائيلية طيلة الأيام المصاحبة لحرب الإبادة عن الترويج لاعترافات أسرى فلسطينيين، بينهم وزراء سابقون في الحكومة الفلسطينية في قطاع غزة، في محاولة لصناعة صور نصر وهمية في حرب إبادة ارتقى فيها قرابة 60 ألف شهيد، دون أن تحقق نصراً، كما يعترف جنرالات المعركة من قيادة العدو.

أحد هذه الفيديوهات التي روّج لها قادة العدو وصفحات الناطق الرسمي باسم جيش الاحتلال كان للوزير الفلسطيني السابق د. يوسف المنسي، الذي تجاوز عمره 70 عامًا. ولم تشفع له سنوات عمره في تجنّبه التعذيب والتنكيل، شأنه شأن آلاف الأسرى المدنيين الذين تم أسرهم خلال الحرب، حيث تم التنكيل بهم، وقتل عدد كبير منهم تحت التعذيب.

أحد هؤلاء الذين قُتلوا وأُعدموا كان الطبيب الفلسطيني عدنان البرش، الذي شهد الوزير المحرر على تعذيب متواصل تعرّض له البرش على يد جنود الاحتلال في سجن عسقلان، حتى فاضت روحه تحت بساطير المحتل وأدوات تعذيبه.

لم يكن البرش الوحيد، بل العشرات تعرّضوا للمصير ذاته، بعضهم أُعلن عن وفاتهم، وآخرون لا يزالون تحت الإخفاء القسري، كما يقول المنسي لـ"الرسالة".

يعود المنسي بذاكرته إلى تلك الأيام التي قضاها في المعتقلات لأكثر من 14 شهرًا، معظمها في زنازين العزل الانفرادي، متنقلاً بين مسالخ وسجون العدو، بدءًا من مسلخ "سيدي تيمان" سيئ الصيت، الذي شبّهه بـ"باغرام وغوانتانامو" الشرق، في ظل ما شهده من تنكيل وتعذيب غير مسبوق بحق الأسرى.

يقول المنسي، الذي تقاعد عن العمل الحكومي منذ 12 عامًا: "تنقلت بين أرجاء مدينة غزة باحثًا عن مكان آمن، محاولًا تجنب السكن بين الناس، خشية إصابتهم بمكروه، فالاحتلال لا يفرق بين أحد في استهدافه الجنوني للمدنيين".

وأخيرًا، قادته قدماه إلى حي الشجاعية، حيث تعرض لحصار مشدد في إحدى مناطقه، ما أفضى إلى اعتقاله على يد قوات الاحتلال، التي وجدت في اعتقاله "إنجازًا أمنيًا كبيرًا"، بينما كان يصرّ على أنه مهندس مدني متقاعد عن العمل.

اقتاده الجنود إلى موقع عسكري مؤقت أقاموه في جحر الديك، ثم إلى "سيدي تيمان"، حيث قضى أيامًا في موقعين عسكريين وجد فيهما الموت بألوان شتى، من تعذيب وتنكيل واعتداء على أطرافه، التي كان قد عاد لتوه من الخارج بعد إجراء عملية لتغيير مفصل قدمه. يقول: "آذوني بشدة، وكانوا يتعمّدون إلحاق الأذى الدائم بجسدي".

دخل الوزير المنسي السجون بوزن 110 كيلوجرامات، ثم خرج منها بوزن 65 كيلوجرامًا، في سياسة واضحة تعبّر عن حجم التجويع الذي يتعرض له الأسرى داخل السجون.

يقول المنسي لـ"الرسالة نت": "كان المحققون يتعاملون معي على أنني أحد قادة المعركة، رغم أنني جئت إلى غزة قبل أيام قليلة فقط من السابع من أكتوبر، وكنت في رحلة علاج بالخارج".

يضيف: "تعرضت لأربع جلسات تحقيق، سبقتها جميعًا جولات تعذيب غير مسبوق، من ضرب وتنكيل واعتداء واعتقال في زنزانة انفرادية. كان جنود الاحتلال يدفعونني باتجاه الأدراج وأنا مقيّد اليدين والقدمين".

سأله المحقق: "كيف معاملة جنودنا لك؟"، فأجابه: "معاملة مهينة وقاسية"، ليردّ المحقق: "لا تقلق، سنطلب منهم أن يتعاملوا معك بشكل أفضل"، فكانت النتيجة مزيدًا من التعذيب والتنكيل والإهانة.

احتاج المنسي إلى الذهاب إلى عيادة طبية لعلاج كدماته الناتجة عن وقوعه المتكرر على الأرض بسبب دفع الجنود له. يقول: "طلبت حبة دواء أكامول، فأخذوني إلى عيادة طبية، وعندما سألني الطبيب ماذا تريد، قلت له: أريد حبة أكامول مسكنة للوجع، فما كان منه إلا أن هجم عليّ واعتدى عليّ، وقال لي: هذا هو المسكن!".

بعد رحلة طويلة من العذاب، بدأ جنود الاحتلال بتوجيه أسئلة له لإدانة السابع من أكتوبر، وهو الحدث الذي لا يجد الأسير طريقا من الحديث الإيجابي بشأنه في ظل ما يتعرض له من موت محقق وأدوات تعذيب شديدة غير مسبوقة.

يقول المنسي: "توقفت عقارب الساعة أمام عيني، وقلت لهم: أنا لم أكن في القطاع، ثم إنني لا أنكر أنني كنت وزيرًا سابقًا في الحكومة".

لم يكن لدى المحتل الكنز الكافي ليتفاخر به في محطات الاعتقال، فوجد في اعتقال الوزير المنسي "دلالة انتصار"، على اعتبار أنه أحد قادة الحركة.

يواصل المنسي: "كنت أقول في قلبي إنني مطمئن بإيماني العميق بشعبي وحقه في المقاومة.

 وعندما تعرضت للتحقيق، كنت أحاول فقط أن أدفع عن نفسي، كما يفعل جميع الأسرى، العذاب الذي يتعرضون له. عذاب لا يوصف من التعذيب والتنكيل، الذي يصل غالبًا إلى القتل واستشهاد الأسير".

لا يوجد اعترافات ينتزعها الاحتلال؛ سوى بعض العبارات التي يريد من خلالها ادانة المقاومة إعلاميا؛ "انكرت كل شيء ولم يحصل مني معلومة واحدة".

يصف المنسي رحلة الأسر بـ"الخروج من قبر محقق"، قائلًا: "التوصيف الأدق لها أنها قبور وليست معتقلات أو سجون".

ويضيف: "قضية الأسرى ليست ترفًا، بل هي حاجة لإنقاذ آلاف الأرواح التي يمكن أن ترتقي في أي لحظة".

اخبار ذات صلة