في ثالث أيام العيد.. غزة تواجه ثلاثية القصف والنزوح والجوع

غزة _ خاص الرسالة نت 

تتراكم المصائب وصنوف المعاناة على سكان قطاع غزة خلال أيام العيد، الذي تمنّوا أن يكون هادئًا بعد أن حُرموا من طقوسه للعام الثاني على التوالي.

ما بين القصف والجوع والنزوح، عُلّق سكان القطاع، وتركهم العالم وحدهم يواجهون بطش الاحتلال، وقد فقدوا الطمأنينة، يتنقلون بين المناطق بحثًا عن بقعة آمنة، لكن محاولاتهم في كل مرة تبوء بالفشل، فلا أمان مع محتلٍّ هدفه قتل الصغار قصفًا وجوعًا وخوفًا.

ولتكتمل المعاناة وتضيق حلقاتها حول رقاب المواطنين، أعلنت المخابز إغلاق أبوابها صباح اليوم بعد نفاد مخزون الدقيق والسولار لديها.

"ضاقت علينا كثيرًا".. بهذه الكلمات الثلاث تختصر الأم نور سالم معاناتها، لكنها تحمل وجعًا وقهرًا لم تعد قادرة على احتماله، وهي ترعى أربعة أطفال وحدها بعد أن اعتقلت قوات الاحتلال زوجها منذ قرابة عام.

تضيف: "لم نعد نعلم كيف تتراكم المتاعب والمصائب فوق رؤوسنا. القصف لم يتوقف، أصبحنا نترقّب الموت في كل لحظة، عدا عن الجوع وفقدان أغلب المواد الغذائية من الأسواق، وجاء خبر إغلاق المخابز ليزيد الطين بلّة، ومعه تضاعفت أسعار الدقيق".

وتتابع: "لا يرانا العالم، لم يعد هناك منصف وسط هذا الظلم والقهر. حلمنا بعيد يفرح به صغارنا بعد اتفاق وقف إطلاق النار، لكننا استيقظنا صباح العيد على خبر استشهاد الأطفال بملابس العيد".

تشير نور إلى أن الغزيين قبلوا العيش في الخيام وبأقل القليل، لكن الاحتلال لم يتركهم ليعيشوا بسلام.

وفي طريق النزوح، التقت "الرسالة" الحاج أبو أحمد من مدينة بيت حانون، وهو يسير حاملاً على ظهره أحمالًا تضاعف ثقلها بسبب الوجع والمعاناة. يقول: "في أعوام عمري الخمسة والسبعين، لم أرَ مثيلًا لما عشته خلال العامين الماضيين. النزوح أصعب من الموت. هل يعلم العالم ماذا يعني ألّا تجد مأوى، وأن تبقى في الشارع هربًا من قذائف الاحتلال التي تنفجر فوق رؤوسنا ليلًا ونهارًا؟".

يتابع: "حملنا ما استطعنا من طعام وماء وملابس معدودة، وخرجنا بحثًا عن الأمان. استُشهد خمسة من أفراد أسرتي، ولا نقوى على فقد آخرين".

نزحت عائلة أبو أحمد مشيًا على الأقدام، ولا تعلم أين سينتهي بها الطريق، فلا خيارات أمامها. تركت خلفها كل ما حاولت تخزينه من دقيق ومعلّبات لمواجهة حرب التجويع، وحاولت النجاة بأنفسها فقط، وهي تعلم أن ما تركته من طعام لا يوجد له بديل في الأسواق، فباتت العائلة فريسة للجوع والخوف وفقدان المأوى.

وفي مشهد آخر من مشاهد المعاناة التي يعيشها سكان القطاع، لم تعد قدما أم عامر تقويان على حملها بعد سلسلة من النكبات التي حلّت بها، لتسقط أرضًا بعد محاولات عدّة للتماسك والمقاومة.

فقدت أم عامر أبناءها الذكور الثلاثة تباعًا في شمال القطاع، كما فقدت منزلها وعددًا كبيرًا من أفراد أسرتها، فأثقلتها الهموم حتى فقدت السيطرة على نفسها، وتدهورت صحتها بشكل كبير.

تقول ابنتها: "جاء العيد لينكأ جراحنا. فجأة، وجدنا أمي تسقط أرضًا، فحملناها مباشرة إلى المشفى، ليجد الأطباء أن نسبة دمها لا تتجاوز خمس درجات. ما وصلت إليه نتيجة طبيعية بسبب قلة الطعام، بعد أن فقدنا في العدوان إخوتي الثلاثة".

ورغم سوء وضع والدتها، إلا أن العائلة لا تجد الطعام المناسب لتحسين صحتها، فلا فواكه ولا خضروات ولا لحوم في الأسواق، ما اضطر الأطباء إلى نقل وحدات دم تساعدها على التعافي، وسط وضع نفسي سيّئ، وقصف متكرر يعيدها إلى شريط حزين من الذكريات.

وأعلن برنامج الأغذية العالمي أن جميع المخابز المدعومة من قبله في جنوب قطاع غزة أغلقت أبوابها اعتبارًا من اليوم الثلاثاء، وذلك بسبب نفاد الدقيق المتوفّر لديه.

وقال البرنامج: "إنه بسبب نقص المساعدات الإنسانية التي لم تدخل غزة منذ 2 مارس/آذار الماضي، فإن إمدادات الدقيق والمواد الأساسية الأخرى على وشك النفاد".

وأوضح أن البرنامج كان يوزّع يوميًا أكثر من 306,000 كيلوغرام من دقيق القمح لتشغيل المخابز في جميع أنحاء القطاع، بالإضافة إلى الخميرة والسكر والملح.

وأشار إلى أنه مع استمرار إغلاق الحدود ومنع دخول المساعدات، نفدت الإمدادات اللازمة، مما أدى إلى وقف دعم إنتاج الخبز في جميع المخابز المدعومة من البرنامج.

وجدد المكتب الإعلامي الحكومي مناشدته للمجتمع الدولي لوقف جرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي التي يرتكبها الاحتلال "الإسرائيلي" ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.

وقال المكتب في بيان له إن حرب الإبادة الجماعية التي يشنّها جيش الاحتلال على قطاع غزة تتواصل بشكل وحشي، مستهدفةً المدنيين العزّل ومنازلهم، في ظل صمت دولي مستمر.

وأكد البيان أن أكثر من 61,000 شهيد ومفقود سقطوا جراء المجازر التي ارتكبها الاحتلال منذ بداية الحرب، مشيرًا إلى أن أكثر من 50,300 منهم تم نقلهم إلى المستشفيات، من بينهم 30,000 طفل وامرأة، مما يعكس وحشية الاحتلال تجاه المدنيين.

وأشار إلى أن الاحتلال أباد 7,200 أسرة فلسطينية بالكامل، ما يعكس حجم الدمار الذي ألحقه بالحياة المدنية في القطاع.

وتطرّق البيان إلى جريمة التجويع الجماعي التي يرتكبها الاحتلال بحق السكان في غزة، حيث أغلق جميع المعابر المؤدية إلى القطاع منذ بداية الحرب في 7 أكتوبر 2023، ما أدى إلى منع إدخال المساعدات الإنسانية بشكل كامل.

وذكر البيان أن الاحتلال منع دخول 18,600 شاحنة مساعدات، بالإضافة إلى 1,550 شاحنة محمّلة بالوقود (السولار، البنزين، وغاز الطهي).

وأكد أنه تم قصف أكثر من 60 تكية طعام ومراكز توزيع مساعدات أخرى، ما أدى إلى توقف العديد منها عن العمل، بالإضافة إلى قصف واستهداف المخابز وإغلاق العديد منها، مما فاقم الأزمة الإنسانية وجعل الجوع ينتشر بشكل متسارع بين المدنيين.

ودعا المكتب الإعلامي الحكومي المجتمع الدولي إلى التحرّك العاجل للضغط على الاحتلال من أجل وقف هذه المجازر وحماية المدنيين الفلسطينيين.

وطالب بفتح تحقيق دولي عاجل ومستقل في جرائم الحرب التي ارتكبها الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني الأعزل، وإحالة المسؤولين عنها إلى المحاكم الدولية.