قائمة الموقع

إغلاق المخابز.. غزة تئن تحت وطأة الجوع 

2025-04-02T11:38:00+03:00
غزة _ خاص الرسالة نت 

في قلب مدينة غزة، حيث يرزح السكان تحت وطأة الحصار والقصف المتواصل، أُغلقت المخابز أبوابها بعدما أبلغ برنامج الغذاء العالمي الجهات المعنية رسميًا بنفاد مخزون الدقيق من مستودعاته، ما يعني أن المخابز التي كانت تعتمد عليه في إنتاج الخبز قد توقفت بشكل كامل عن العمل، تاركة مئات الآلاف من الأسر بدون مصدر رئيسي للغذاء.

رائحة الخبز الطازج، التي كانت تبعث الأمل في الأزقة بعد أشهر من حرب التجويع والتعطيش، بدأت تختفي، وحلّ مكانها صمت ثقيل يختلط بأنين الجوعى.

عائلة أبو يوسف عبيد، مثل كثيرين، كانت تعتمد على الرغيف اليومي لسدّ رمق أطفالها الكثر. لكن اليوم، أصبح الأمل في لقمة العيش أقرب إلى حلم بعيد، يتلاشى مع كل لحظة تمر.

ويعتمد سكان غزة بشكل أساسي على المخابز المدعومة من برنامج الغذاء العالمي، والتي يبلغ عددها 18 مخبزًا موزعة على مختلف مناطق القطاع. 

 شريان حياة 

وتشكل المخابز شريان حياة لعشرات الآلاف من العائلات التي تعاني بالفعل من انعدام الأمن الغذائي، ولكن بعد توقفها التام عن العمل، يواجه القطاع خطرًا غير مسبوق قد يؤدي إلى كارثة إنسانية حقيقية.

خرج الأب جميل عبيد " ابو يوسف "  في الصباح الباكر يحمل كيسًا فارغًا بحثًا عن ربطة خبز، لكن الطوابير أمام المخبز الواقع في حي الدرج شرق غزة كانت تمتد لمئات الأمتار.

وقف عبيد لساعات طويلة، عيناه تتوسلان لقطعة خبز، لكن حين وصل دوره، كان الجواب من صاحب المخبز: "نفد الطحين وسيتم إغلاق المخبز."

ساد صمت ثقيل، ثم تحول إلى بكاء خافت، وصرخات ألم هناك. وقف للحظات، غير قادر على استيعاب ما سمعه. نظر إلى كيسه الفارغ، ثم استدار عائدًا إلى منزله بخُطى مثقلة، وقلبه يعتصر ألمًا.

عند الباب، كان أطفاله ينتظرونه بلهفة. سألوه عن الخبز، لم يستطع الرد، فقط احتضنهم بشدة، وأغمض عينيه ليخفي دموعه.

في ذلك المساء، جلسوا حول طاولة فارغة، يتقاسمون ما تبقى من صبرهم. لم يكن لديهم خبز، لكنهم ما زالوا يملكون الأمل، رغم أن حتى الأمل صار يُشبه الرغيف... نادرًا، وصعب المنال.

ولم تكن عائلة عبيد وحدها تفتقد الخبز وتعاني الجوع، فآلاف العائلات الغزية  الأخرى تواجه المصير ذاته، حيث أصبح العثور على القوت اليومي معاناة يومية تمتد لساعات من الانتظار على أمل الحصول على ربطة خبز.

وفي  شوارع غزة، تتكرر المشاهد ذاتها: أطفال جائعون يحدقون بعيون يائسة، وآباء وأمهات يبحثون عن أي مصدر للطعام، بينما تتآكل آمالهم مع كل يوم يمر دون أن تصل إليهم المساعدات.

 سياسة التجويع 

ويعتمد الاحتلال سياسة التجويع كأداة للضغط على الفلسطينيين، عبر منع إدخال المواد الغذائية والمياه والوقود، واستهداف البنية التحتية الحيوية.

ويعاني سكان غزة من نقص حاد في الغذاء والدواء والمياه الصالحة للشرب، مع ارتفاع أسعار السلع الأساسية بشكل غير مسبوق، حتى باتت بعض المواد مثل الطحين والسكر والأرز شبه معدومة. 

وتشير التقارير الدولية إلى أن الأطفال وكبار السن هم الأكثر تضررًا، حيث ارتفعت معدلات سوء التغذية لمستويات كارثية.

كما أدى نقص الوقود إلى إغلاق العديد من المخابز، مما جعل الحصول على الطعام تحديًا يوميًا لسكان القطاع.

 تفشي المجاعة 

يشار إلى أن رئيس جمعية أصحاب المخابز في غزة، عبد الناصر العجرمي، أعلن عن إغلاق معظم المخابز في القطاع بسبب نفاد مخزون الدقيق والسولار، الأمر الذي يزيد من المخاوف بشأن تفشي المجاعة بين السكان المحاصرين.

وأكد العجرمي أن برنامج الغذاء العالمي أبلغ الجهات المعنية في غزة رسميًا بنفاد مخزون الدقيق من مستودعاته.

 إغلاق المخابز يعني أن آلاف العائلات لن تجد رغيف الخبز على موائدها، والكارثة ستتفاقم إذا لم يتم فتح المعابر بشكل فوري وإدخال المواد الأساسية، وفق العجرمي.

ويضيف: "نحن لا نستطيع تشغيل المخابز دون توفر الدقيق والوقود. هذه الأزمة ليست فقط أزمة مخابز، بل هي أزمة حياة لمئات الآلاف من الأشخاص الذين يعتمدون على الخبز كغذاء رئيسي لهم."

وسط هذه الظروف القاتمة، وجّه العجرمي نداءً عاجلًا للمجتمع الدولي والمؤسسات الإنسانية للضغط على الاحتلال من أجل إعادة فتح المعابر والسماح بإدخال المواد الغذائية والوقود لمنع تفاقم الأزمة الإنسانية.

وفي 2 مارس الماضي، أغلقت سلطات الاحتلال معابر قطاع غزة أمام دخول المساعدات الإنسانية والإغاثية والطبية للقطاع، ما تسبب بتدهور غير مسبوق في الأوضاع الإنسانية وفق ما أكدته تقارير حكومية وحقوقية محلية.

 عذاب يومي 

وفي مشهد يعكس وجود أزمة غذاء حقيقية في قطاع غزة، يتكدس الفلسطينيون فوق بعضهم البعض أمام المخابز العاملة لساعات طويلة للحصول على الخبز زهيد الثمن.

ويشتري الفلسطينيون ربطة الخبز تلك من المخابز المدعومة من برنامج الغذاء العالمي بسعر رمزي يصل إلى 2 شيكل و3 شواكل.

 حرب تجويع ممنهجة 

وتتفاثم الأزمة الإنسانية في غزة حيث ينشر الجوع بشكل واضح بين المدنيين، ويفرض الاحتلال حصارًا خانقًا على دخول المساعدات الإنسانية، في جريمة إبادة موصوفة تهدف إلى كسر إرادة الشعب الفلسطيني.

ويمنع الاحتلال منذ شهر إدخال المساعدات الإنسانية بشكل كامل، حيث منع إدخال 18,600 شاحنة مساعدات، بالإضافة إلى 1,550 شاحنة محملة بالوقود (السولار، البنزين، وغاز الطهي).

وامعانًا في التجويع، قصف الاحتلال أكثر من 60 تكية طعام ومركز لتوزيع المساعدات وأخرجها عن الخدمة لتمكين جريمة التجويع.

وكذلك قصف واستهداف المخابز ووقف وإغلاق عمل العشرات منها، مما أدى إلى تفاقم الأزمة الإنسانية وانتشار الجوع بشكل واضح بين المدنيين.

وفي وقت سابق، أفاد مدير المكتب الإعلامي الحكومي د. إسماعيل الثوابتة بأن سلطات الاحتلال قصفت منذ بدء حرب الإبادة الجماعية نحو 26 تكية توزع الطعام على النازحين والجائعين و37 مركز مساعدات.

وكانت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”، قد أعلنت في 26 مارس الماضي، رفض سلطات الاحتلال معظم محاولات المنظمات الإنسانية لإدخال إمدادات أساسية لقطاع غزة الذي يشرف على مجاعة غير مسبوقة.

وقالت الوكالة الأممية في بيان: "الوضع في غزة يتدهور مع استمرار الأعمال العدائية العنيفة للأسبوع الثاني."

وخلال أشهر الإبادة، عانى سكان غزة من مجاعة جراء القيود المشددة التي فرضتها إسرائيل على دخول المساعدات، ما دفعهم لتناول بدائل كأعلاف الحيوانات والحشائش وتقليص الوجبات اليومية وكميتها.


وإغلاق المخابز في غزة لا يعني فقط عدم توفر الخبز، بل يمتد أثره ليشمل جوانب أخرى من الحياة، حيث تعتمد معظم العائلات الفقيرة والنازحة على المساعدات الإنسانية التي تشمل الخبز، ومع انقطاعه يصبح الوصول إلى الغذاء أكثر صعوبة.

كما أن ارتفاع الأسعار الناتج عن ندرة المواد الغذائية سيجعل من المستحيل على الأسر الفقيرة تأمين قوت يومها، مما سيؤدي إلى زيادة حالات سوء التغذية خاصة بين الأطفال وكبار السن.

ويعاني قطاع غزة من حصار خانق تفرضه إسرائيل منذ سنوات، حيث يعتمد حوالي 80% من السكان على المساعدات الإنسانية.

هكذا، تحوّلت غزة إلى مدينة جائعة، حيث الكرامة تُختبر كل لحظة، والمقاومة لم تعد فقط مواجهة القصف، بل أيضًا الصمود في وجه الجوع القاتل.

اخبار ذات صلة