في صباحٍ دامٍ جديد، استيقظ حي الشجاعية على أصوات انفجارات هزّت المكان كزلزال. دقائق قليلة كانت كفيلة بأن يتحوّل مربع سكني مكتظ بالحياة إلى كومة من الركام والرماد. صواريخ الاحتلال الحاقدة استهدفت منزل عائلة "أبو عمشة" في شارع بغداد، حيث كانت العائلة وكل من لجأ إليهم يعتقدون أنهم قد يجدون في ذلك المنزل أمانًا.
ارتقى تسعة وعشرون شهيدًا، بينهم أطفال كانت ضحكاتهم تملأ المكان قبل أن يُسكتها الغبار والصراخ، ونساء لم تستطع أيديهن حماية صغارهن من الموت القادم من السماء.
خمسون جريحًا آخرون حملتهم سيارات الإسعاف وسط صرخات اختلطت بين ألم الجرحى وبكاء الناجين الذين يبحثون عن أحبائهم تحت الأنقاض.
المشهد كان أكبر من أن يوصف. أصوات الأجهزة الثقيلة التي تحفر بين الركام، وأنين الجرحى العالقين تحت الحجارة ومن يعتقد أن عددهم أكثر من 200، ودموع الآباء الذين فقدوا كل شيء.
بالقرب من مسجد الهواشي، وقفت امرأة تصرخ اسم ابنها الذي كان يلعب في نقطة شحن الجوالات القريبة. لم يعد هناك شيء، لا بيت ولا شارع ولا ضحكة.
المنزل ذو الطوابق الأربعة، الذي كان يضم أحلامًا وحياة، أصبح شاهدًا على واحدة من أبشع الجرائم التي يرتكبها الاحتلال يومًا بعد يوم. لم يكن هذا قصفًا عشوائيًا؛ بل كان قتلًا متعمدًا، استهدف المدنيين الأبرياء في وضح النهار.
الدفاع المدني لم يتوقف عن العمل؛ ما زالت فرق الإنقاذ تحاول الوصول إلى الجثث العالقة. المشهد كان أشبه بكارثة إنسانية، كما وصفه المتحدث باسم وزارة الصحة. قالها بمرارة وهو يشاهد الأعداد المتزايدة من الجرحى والمصابين الذين ملأوا أسرة المستشفيات، بل وحتى الممرات.
في تصريحٍ غاضب، قالت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) إن هذه المجزرة ليست سوى فصل جديد من فصول الإبادة الجماعية التي يرتكبها الاحتلال. وأضافت أن هذه الجرائم الوحشية التي تُرتكب بحق شعبنا الأعزل لن تمر بلا حساب.
وأكّدت الحركة أن صمت المجتمع الدولي هو شراكة في الجريمة، داعيةً الدول العربية والإسلامية إلى التحرّك الفوري والضغط على الاحتلال لوقف هذه المجازر. كما طالبت بمحاسبة المجرمين الصهاينة على جرائمهم التي لن تُنسى ولن تُغفر.
لكن في غزة، ورغم كل هذا الألم، لا يزال هناك صمود. بين الركام، كانت يد طفل تخرج من الحطام، تحمل أملًا بسيطًا في النجاة. في عيون الناجين، كان هناك حزن عميق، لكن أيضًا إصرار على البقاء. فغزة لا تُهزم، وإن كانت تُدمَّر.
لن تُنسى أرواح الشهداء. لن تُنسى الأسماء التي كُتبت بدمائها في ذاكرة الأرض. صرخات الأطفال ودموع الأمهات ستبقى شاهدة على ظلمٍ لا حدود له. ولن يُمحى هذا الألم حتى ينتهي الظلم، وحتى تعود الحياة لتزهر من جديد فوق هذه الأرض التي ارتوت بدماء الأبرياء