في ظلمة الليل، حيث كان الجرحى يئنّون بصمت ويقاتلون للبقاء على قيد الحياة، هوى صاروخ الاحتلال فوق مستشفى المعمداني في قلب مدينة غزة.
لم يُفرّق بين سرير مريض وغرفة طبيب، ولا بين جرحٍ مفتوح وأملٍ ضئيل بالنجاة. استُهدف قسم الاستقبال والطوارئ بشكل مباشر، ليُعلن رسميًا عن خروج المستشفى من الخدمة، ويدخل بذلك فصلًا جديدًا من فصول حرب الإبادة الجماعية التي تتعرض لها غزة منذ عام ونصف.
المرضى والجرحى الذين بالكاد نجوا من القصف في منازلهم، وجدوا أنفسهم مجددًا في مرمى النيران، داخل أكثر الأماكن التي يُفترض أن تكون ملاذًا آمنًا. طُردوا من أسرّتهم تحت التهديد وفي منتصف الليل، بعضهم نُقل جريحًا على عربات خشبية، وآخرون زحفوا بأوجاعهم باحثين عن مأوى أو عن ركن لا تصله القذائف.
لم يكن هذا الهجوم الأول على المعمداني، فقد سبق أن استُهدف في بداية الحرب في مجزرة مروعة لا تزال محفورة في ذاكرة العالم، راح ضحيتها المئات بين شهيد وجريح. واليوم، تتكرر الجريمة ذاتها، لكن بوقاحة أكبر وصمت دولي أشد خزياً.
ومع تدمير المعمداني، ينضم المستشفى إلى قائمة طويلة من المنشآت الطبية التي تم إخراجها عن الخدمة، ضمن خطة ممنهجة لتفكيك المنظومة الصحية في قطاع غزة بالكامل.
لم يعد هناك أماكن للعلاج، ولا طواقم كافية، ولا أدوية أو تجهيزات. فقط جراح مفتوحة تنتظر معجزة، وأمهات يبكين أمام أبواب المستشفيات المغلقة، وأطفال يصارعون الموت بلا حاضنات أو أجهزة تنفس.
المعمداني لم يكن مجرد مبنى. كان شريان حياة، وملاذًا أخيرًا لأرواح معلّقة بين الحياة والموت. واليوم، بات شاهدًا على جريمة مكتملة الأركان.
ومع كل صاروخ يسقط على جدار مستشفى، يسقط قناع جديد عن وجه هذا العالم، وتعلو صرخة غزة:
"الدم الذي يسيل هنا، سيُدين صمتكم إلى الأبد."
في غزة، لم يعد هناك شيء في مأمن. لا المريض في سريره، ولا الطبيب في ميدانه، ولا حتى قبور الشهداء التي تناثرت حجارتها تحت القصف، ولا العصافير التي كانت تغني على أسلاك الكهرباء… الكل مستهدف. يبدو أن هذا الاحتلال قد قرر أن يُسكت الحياة بكل أشكالها، حتى همسات الريح ورَفّات الأمل.

القصف الجوي أدى إلى تدمير مبنى الاستقبال والطوارئ بالكامل، وألحق أضرارًا جسيمة بالمختبر والصيدلية، ما أدى إلى اشتعال النيران في أجزاء واسعة من المستشفى، وأجبر عشرات الجرحى والمرضى على افتراش شوارع المدينة المظلمة.
وقال المكتب الإعلامي الحكومي إن الاحتلال الإسرائيلي ارتكب جريمة جديدة مروّعة بقصفه المستشفى الذي كان يضم مئات المرضى والجرحى والطواقم الطبية. وأوضح المكتب في بيانه أن المعمداني، بما يحتويه من أقسام متخصصة، كان يقدم خدماته لأكثر من مليون فلسطيني في محافظتي غزة وشمال غزة، وسط انهيار شبه كامل للمنظومة الصحية نتيجة الحصار والقصف المتواصل.
وأكد أن هذا العدوان الغادر ليس الأول من نوعه، فقد سبق للاحتلال ارتكاب مجزرة دامية في ذات المستشفى خلال الأشهر الأولى للحرب، واليوم يُعيد المشهد الدموي نفسه في تحدٍّ صارخ للقوانين الدولية والإنسانية التي تُجرّم استهداف المرافق الصحية والطواقم الطبية.
وذكر البيان أن الاحتلال دمّر عمدًا 35 مستشفى، وأخرجها عن الخدمة، ضمن مخطط واضح للقضاء على ما تبقى من النظام الصحي في غزة، واستهدف أيضًا عشرات المراكز والمؤسسات الطبية، في انتهاك فجّ لاتفاقيات جنيف والمواثيق الدولية.

وحمل المكتب الإعلامي الاحتلال الإسرائيلي، إلى جانب الإدارة الأمريكية والدول الداعمة للعدوان، كالمملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا، المسؤولية الكاملة عن هذه الجريمة وغيرها من الجرائم المرتكبة بحق المدنيين العزل.
كما دعا المجتمع الدولي، وهيئات الأمم المتحدة، والمنظمات الحقوقية والإنسانية إلى إدانة هذا العدوان البربري، والتحرك العاجل لحماية ما تبقى من المرافق الصحية، ووضع حد لهذا الإرهاب المنظم بحق أكثر من مليوني إنسان محاصر في قطاع غزة.
من جهتها، قالت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" إن قصف المستشفى وتدمير مبنى الاستقبال والطوارئ، وتشريد المرضى والجرحى، هو جريمة حرب جديدة تضاف إلى سجل الاحتلال الملطخ بالدماء.
وأكدت الحركة في بيانها فجر الأحد أن ما جرى يعكس الطبيعة الفاشية لهذا الكيان المارق، الذي يواصل جرائمه تحت غطاء أمريكي وصمت دولي مريب، وسط تعطيل تام لأدوات المحاسبة والعدالة الدولية.

