في حي صغير من أحياء مدينة خان يونس، كان كل شيء في صالون الحلاقة يوحي بالفرح. الضحكات كانت تتعالى، وأحاديث المستقبل تدور بين العريسين الشقيقين فادي وحذيفة عثمان شبير، وشقيقهما الأصغر سعيد، الذي جاء ليكون شاهداً على تجهيزات الزفاف. كانت العائلة بأكملها تستعد لهذا اليوم الذي انتظرته طويلاً، وكانت الفرحة تملأ قلوب الجميع.
في المنزل، كانت الأم ترتب تفاصيل الحفل. تنظر إلى الباب مراراً، تنتظر عودة أبنائها الثلاثة بعدما أنهوا استعداداتهم. في خيالها، كانت ترسم المشهد: أبناؤها يرتدون ملابس العرس، يدخلون بابتساماتهم العريضة التي لطالما أضاءت حياتها. كانت تهمس لنفسها: "ما هذا الجمال الذي سأراه بعد قليل؟".
لكن بعيداً عن أمل الأم وخيالها، كانت السماء تمطر الموت. طائرات الاحتلال تحلق فوق خان يونس، تبحث عن أهداف جديدة لبارودها. لم يكن صالون الحلاقة هدفاً عسكرياً، ولكنه كان في مرمى الصواريخ.
في لحظة، اخترق صوت انفجار مدوٍّ هدوء الحي. صاروخ إسرائيلي أصاب صالون الحلاقة مباشرة. المكان الذي كان يعج بالضحكات تحول إلى كومة من الركام. ستة شهداء خرجوا من بين الأنقاض، بينهم الشقيقان العريسان وشقيقهما الأصغر.
وصل الخبر سريعاً إلى الأم. ركضت إلى المستشفى بكل ما أوتيت من قوة، وكأنها تحاول أن تسبق الموت لتمنع المصيبة. وعندما وصلت، كان أبناؤها الثلاثة ممددين على أسرة المستشفى، بلا حراك.
دخلت الأم غرفة الطوارئ، ورأت فادي أولاً. ركعت عند قدميه، وضعت رأسها بينهما وبدأت تقبلهما كأنها تحاول أن تعيد إليه الحياة. انتقلت إلى حذيفة، ثم إلى صغيرها سعيد، تحتضنهم واحداً تلو الآخر، وتبكي بحرقة وهي تردد: "يا الله، هذا قلبي الذي انكسر! فادي! حذيفة! سعيد! يا الله لماذا؟"
لكن وسط الألم الذي بدا كأنه لا ينتهي، وقفت الأم فجأة. نظرت إلى السماء بمزيج من الإيمان والصبر الذي لا يعرفه إلا من عاش المأساة. رفعت يديها وقالت:
"يا رب، أرسل لك ثلاثة من أغلى ما أملك. تقبلهم عندك شهداء. اجعلهم في الجنة فرحين، واجعلني صابرة قوية."
وبين دموعها وابتسامتها المرة، أطلقت زغرودة هزت المكان، وقالت للحاضرين:
"هنّوني. أولادي صاروا عرسان في الجنة."
المشهد كان مؤثراً لدرجة أن الحاضرين لم يتمالكوا أنفسهم. النساء بكين بحرقة، بينما الرجال هتفوا بصوت واحد:
"مبارك يا أم العريس!"
الجثامين الثلاثة حملت على نعش واحد، وزُفّت كما أرادت أمهم. لكن هذه المرة لم تكن الزفة إلى بيت الزوجية، بل إلى السماء، إلى الله الذي كتب لهم نهاية مختلفة.
في خان يونس، لم يكن الألم محصوراً في صالون الحلاقة. الموت كان ضيفاً ثقيلاً على غزة بأكملها. ستة شهداء، بينهم ثلاثة أخوة، كانوا ضحايا صالون الحلاقة. أما بقية القطاع، فقد ودّع 43 شهيداً منذ ساعات الفجر، جراء غارات إسرائيلية لم تفرق بين بيت، أو سوق، أو مكان بسيط كان يزخر بالفرح.
اليوم، كانت دموع خان يونس شاهدة على مأساة لا تنتهي، وعلى أم فلسطينية تتحدى الموت بالصبر. ودّعت أبناءها الثلاثة بفخر، قائلة للعالم:
"نحن أحياء ما دامت أرواحنا ثابتة على هذه الأرض."