في الزمن السياسي الرديء، لا عجب أن يقود رجل مثل بنيامين نتنياهو ( إسرائيل) نحو الهاوية بكل فخر واعتزاز. فالرجل الذي يرى في الحرب خلاصًا، وفي الدم وسيلةً للنجاة، خرج علينا امس السبت بخطاب "درامي" تم الترويج له منذ الجمعة، وكأننا على موعد مع كشف تاريخي... ليأتي التصريح فارغًا كعادته، ويصطدم بحقيقة بسيطة قالتها صحيفة يديعوت أحرونوت: "نفس النغمة تتكرر: أنا وأنا وأنا فقط وراء الإنجازات، هم وهم فقط وراء الإخفاقات".
"الحرب مستمرة، وسنواصل القتال حتى نحقق أهدافنا" – هكذا قال نتنياهو، وكأنه يصدر بيانًا من فيلم أكشن لا من مكتب رئيس حكومة مأزومة. "تصريحات لا تحمل جديدًا، سوى المزيد من الضجيج..
بن درور يميني كتب ساخرًا في يديعوت: "كان بإمكانه أن يقول بعد هذا الفشل الكبير إن المسؤولية تقع عليه... لكنه لم يفعل، بل ألقى الوحل على الجميع".
وهو محق: نتنياهو لا يقود فقط حربًا، بل يقود تمثيلية فاشلة، يحاول عبرها إعادة تسويق خطاب "النصر الكامل"، رغم أن الواقع – كما قال بن كاسبيت في معاريف – هو أنه يعرف تمامًا أن هذه حرب مرهقة وطويلة، ولا يمكن أن تنتهي بصورة نصر تام.
نتنياهو نفسه هو من صاغ المرحلة الثانية من صفقة التبادل، ووقّع عليها، لكنه – بحسب بن كاسبيت – لا ينفذها فقط لأن سموتريتش وبن غفير يعارضان ذلك. الرجل لا يتردد في "رمي الأسرى تحت عجلات الحافلة" من أجل بقائه السياسي.
بل وأكثر من ذلك، جعل عائلاتهم تعيش حالة ترقب ورعب بإعلانه عن "تصريح خاص" لا يحتوي إلا على الهواء الساخن. النتيجة؟ صدمة وخيبة أمل في أوساط عائلات الجنود، كما قال حجاي، والد الجندي الأسير ماتان أنجريست:
"نشعر بخيبة أمل من رئيس الوزراء الذي اخترناه… نراه يُهمل الجنود الذين ذهبوا للقتال من أجله، ويفضّل إرسال المزيد ليموتوا".
منصة الحكم تُبنى على جماجم
مشكلة نتنياهو ليست فقط في أنه يكذب، بل في أنه يصدق كذبته. يظن أن "صناعة أزمة" كل بضعة أيام كفيلة بأن تُنسي ( الإسرائيليين) أزمته القضائية ومصيره السياسي. يحرق غزّة ليحكم تل أبيب. يفاوض تحت النيران، ويحتفظ بالأسرى كورقة مساومة، ويزج بشباب إسرائيل في مستنقع لا نهاية له.
الاستنزاف: استراتيجية أم انتحار؟
أكثر ما يُفضح في خطاباته هو أنه يعد في كل مرة بـ"خطوة من النصر"، لكن هذه الخطوة تحولت إلى دوامة مستنقع. عام كامل من حرب استنزاف فشلت في تحقيق أي هدف سياسي أو عسكري، ومع ذلك لا يزال الرجل يبيع الوهم، ويهرب من قول الحقيقة.
" دولة داخل حفرة"
نتنياهو اليوم هو الأزمة، لا مجرد صانع أزمة. كل يوم يقود فيه هذه "الدولة" هو يوم إضافي في مسار الانهيار. وكما قال بن درور يميني: "مسؤوليته أكبر بعشر مرات من غيره، وهو يعلم ذلك... لكنه يهرب منها".
أما نحن، فنشهد على لحظة سقوط قائد ظنّ أن البروباغندا يمكن أن تنتصر على الحقيقة، وأن "الدراما المصطنعة" تصلح بديلاً عن الانتصار، لكن كما يُقال في العبرية: האמת תצא לאור – الحقيقة ستخرج إلى النور… وربما على أنقاض دولة تُقاد اليوم بعقلية طاغية يائس.