قائمة الموقع

يونس .. ذهب ليحضر كيس طحين وطعام فعاد شهيدًا

2025-04-21T11:20:00+03:00
الرسالة نت - كارم الغرابلي 

في زحمة الموت والحصار، خرج يونس كرم، ابن السبعة عشر ربيعًا، يبحث عن قوتٍ يسدّ به جوع أهله. لم يحمل سلاحًا، ولا حتى حجرًا، بل حمل في قلبه أملًا بكيس طحين، وربما علبة طعام. لكن الطائرات كانت تترصّد حتى هذا الأمل الهشّ، فانقضّت عليه قبل أن يبلغ وجهته.

قبل أن يرحل يونس ابن حي الشعف شرق مدينة غزة ، كان قد فقد شقيقه عبد الكريم، الذي استشهد في إحدى الهجمات السابقة، في زمن لم يكن فيه الموت أقل شراسة ولا الفقدان أقل مرارة. 

وكم كانت معاناة الأسرة كبيرة حينما فقدت سماح وغفران، الشقيقتين اللتين رحلتا في ظروف مشابهة، تاركتين خلفهما أسئلة لا جواب لها عن فداحة الحرب وألم الفقد. 

كان يونس يراهم في كل زاوية من حياته، ومشاهدهم في قلبه تعززه ليتحمل كل يوم جديد.

الرحيل المفاجئ

وصل يونس إلى مستشفى المعمداني جسدًا بلا حياة، ملامحه الغضّة ما زالت تحتفظ ببراءتها، لكن جسده النحيل أخبر عن قسوة الطريق التي سلكها.

 والدته هناك، ترتجف عند باب الجراحة ، صوتها مخنوق بين البكاء والدعاء،  , كانت تشهد لحظة الغياب، ظلت تردد اسم يونس بصوتٍ ضعيف، وكأنها تسأل السماء لماذا أخذوا منها أغلى ما كان في حياتها.

 أما والده، فقد استقبل مصابه بصبرٍ عميق، لأنه يعرف أن هذا هو قدرهم في غزة، أن الحرب لا تميز بين صغير وكبير، وأن الفقدان جزء من معركة لا تنتهي ، فكان واقفًا بصبر الجبال، يردد: "حسبنا الله ونعم الوكيل"، وكأنما يخاطب السماء أكثر من من حوله.

 

حكاية يونس

يونس كان حلمًا صغيرًا في عيون أسرته، وأملًا في قلب كل من يعرفه. كان يمشي بخطوات ثابتة رغم كل شيء، يستنشق هواء الحلم في مدينة لا تكف عن التنفس تحت وطأة الموت. كان يعرف أن الحياة هنا، في هذا المكان الضيق، لا تمنح فرصًا للراحة، لكنها تمنح القوة لأولئك الذين يرفضون الاستسلام.

لحظة الفقدان

لكن في لحظة واحدة، أُخذت منه هذه الفرصة. كان يحمل كيس الطحين كما لو كان يحمل رسالة الحياة، رسالة الأمل، لكنه لم يعد بها. 

كان يظن أنها رحلة قصيرة بين بيته ومكان نزوح أسرته ، لكنها كانت رحلته الأخيرة إلى السماء. لم يكن يعرف أن المكان الذي يسير نحوه يحمل له موعدًا مع الشهادة.

الوداع الأبدي

وصل يونس إلى مستشفى المعمداني، ولم يعد قادرًا على إخبار أمه كيف ضحى بحلمه من أجلهم، كيف فكر أن يحمل عنهم عبء الجوع قليلاً، لكنه أصبح جزءًا من عبء آخر أكبر. 

كيف كان يمكن لأبٍ أن يقف على هذا النحو صامدًا، وكأن قلبه لا يحمل هذا الحجم من الألم؟ لم يكن يونس بحاجة إلى كلمات لتفسير ما حدث، فقد كانت جراحه أكثر وضوحًا من أن يحتاج لها تفسير.

ذكرى لا تموت

يونس لم يمت وحيدًا، فقد ودّعته المدينة كلها بقلوب مكسورة. هو ليس رقماً، بل حكاية قصيرة عن حياة حلمت أن تعيش.

اخبار ذات صلة