في صباح يوم الثلاثاء، الخامس والعشرين من مارس، كانت غزة على موعد جديد مع المآسي. نزل الطفل محمد حجازي، البالغ من العمر سبع سنوات، للعب أمام منزله، كما يفعل معظم الأطفال رغم الخطر المحيط بهم في كل زاوية.
كان اليوم يبدو عاديًا، لكن دقائق معدودة كانت كافية لتغير حياة هذا الطفل وعائلته إلى الأبد.
انفجار هائل دوّى في الحي، مُخلّفًا صراخًا وهلعًا بين الأهالي. ركض خالد حجازي، والد محمد، بسرعة باتجاه مصدر الصوت، ليجد فلذة كبده ملقى على الأرض، مضرجًا بدمائه، وأطفالًا آخرين مصابين حوله.
كان الانفجار ناجمًا عن جسم متفجر خلّفه جيش الاحتلال (الإسرائيلي) خلال واحدة من عملياته العسكرية.
محمد، الذي خرج ليعيش لحظات طفولة طبيعية، أصبح فجأة ضحية جديدة لحصار وقصف مستمرين.
نُقل محمد إلى المستشفى الإندونيسي، وهناك بدأت محاولات الأطباء لإنقاذ عينه اليمنى التي أصيبت بشكل بالغ. ورغم الجهود، فقد محمد عينه، وانتقل بعدها إلى مستشفى العيون لاستكمال العلاج. لكن القصة لم تنتهِ عند هذا الحد؛ محمد يحتاج إلى تحويلة طبية عاجلة للسفر إلى الخارج لإجراء عمليات جراحية قد تُجنّبه فقدان البصر كليًا.
ورغم الآلام التي يعيشها محمد، فإن العائلة تواجه عائقًا أشد قسوة: الحصار الذي يفرضه الاحتلال على غزة منذ أكثر من 16 عامًا. هذا الحصار لم يحرم محمد فقط من حقه في العلاج، بل حرم آلاف المرضى من السفر للخارج لتلقي العلاج اللازم.
وفقًا لتقارير منظمات حقوق الإنسان، هناك أكثر من 14,000 مريض في غزة بحاجة إلى تحويلات طبية عاجلة خارج القطاع، بينهم ما يزيد على 400 طفل، مثل محمد. ومعظم هؤلاء المرضى يعانون من أمراض خطيرة كالأورام وأمراض القلب والإصابات البالغة الناتجة عن القصف أو الحوادث. ومع ذلك، تُغلَق المعابر أمامهم، وتُماطل سلطات الاحتلال في منح التصاريح اللازمة، ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى وفاة المرضى قبل أن يحصلوا على فرصة العلاج.
عائلة حجازي واحدة من بين آلاف العائلات التي تعيش هذا الكابوس يوميًا. الأب خالد لا يتوقف عن القول: "أريد أن أعطي ابني عيني، لكن حتى هذا الحلم يبدو مستحيلًا. نحن نعيش في سجن كبير، لا أبواب له ولا أمل فيه."
محمد الصغير لا يفهم كل هذا التعقيد، هو فقط يعيش معاناة فقد عينه اليمنى، يرى الآن نصف صورة، وخطر فقدان البصر بالكامل يلوح في الأفق. كل ما يريده أن يرى العالم بعينيه مرة أخرى، لكن في غزة، حتى أبسط الأحلام تصبح معركة مع الاحتلال والحصار.
الحصار المفروض على غزة منذ عام 2007 أدى إلى انهيار النظام الصحي بالكامل إذ يعاني القطاع من نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، حيث تشير الإحصاءات إلى أن 45% من الأدوية الأساسية غير متوفرة في المستشفيات. أما الأجهزة الطبية، فإن 60% منها معطل بسبب غياب الصيانة وقطع الغيار.
وبينما تتكدس حالات المرضى داخل المستشفيات، تعاني غزة من عدم وجود مراكز متخصصة لعلاج الحالات الحرجة. لهذا السبب، يعتمد المرضى على التحويلات الطبية إلى خارج القطاع، لكن الاحتلال يستغل هذه التحويلات كورقة ضغط، فيؤخر الموافقات أو يرفضها بشكل تعسفي، مما يؤدي إلى زيادة عدد الوفيات بين المرضى.
محمد ليس رقمًا في الإحصائيات، بل قصة حية لطفولة سُلبت منها البراءة بفعل قصف الاحتلال وحصاره الجائر. هو واحد من آلاف الأطفال الذين يعانون بصمت، لكن عينيه، المغمورتين الآن بالضمادات، تحكيان حكاية معاناة غزة التي لا تنتهي في ظل استمرار حرب الإبادة الجماعية.