في زاوية من قسم الأطفال في مستشفى شهداء الأقصى، تجلس أماني عيد بصمت يشبه الموت، تتكئ بجسدها على حافة سرير صغير يرقد عليه طفلها حمزة (3 أعوام) ، وهو يئنّ تحت لفائف الشاش الأبيض الذي يغطي جسده المحترق.
أماني، التي تحمل في رحمها جنينًا، كانت حتى الأمس القريب تحت سقف من قماش، خيمة نصبتها عائلتها في مدينة دير البلح بعدما فقدوا منزلهم في القصف. كانت ليلة عادية من ليالي البؤس، نامت العائلة ملتحفة الصبر، لكن الاحتلال لا يعترف بالليل ولا بالنوم، فجاء صاروخه ليمزق اللحظة.
استُهدفت الخيمة بشكل مباشر. ارتقت ملاك (5 أعوام)، ابنة أماني، على الفور. الصغيرة التي لم تعرف من الدنيا سوى ضيق الخيمة وبعض الأحلام المعلقة على جدار الغيب، رحلت دون وداع. أما حمزة، فقد خرج من النيران، لا يحمل لعبته المفضلة، بل حروقًا تغطي جسده الصغير. وأماني نفسها أصيبت بجراح في الجسد.
كانت في شهرها الخامس من الحمل، وكان الأطباء يتحدثون بخوف عن إمكانية فقد الجنين، لكن الرحم، في تحدٍ يشبه المعجزة، احتفظ به. وهكذا أصبحت أماني، رغم ألمها، مرافقة لطفل محروق، وأمًّا لجنين لم يولد بعد، وثكلى فقدت طفلتها الأولى.
“أنا لا أبكي فقط على ملاك”، تقول بصوت خافت، “أنا أبكي على ألف ملاك.. أبكي على غزة كلّها”.
قصة أماني، رغم خصوصيتها، ليست استثناءً. هي واحدة من مئات القصص المتشابهة التي تُروى وتُدفن يوميًا في غزة، حيث الموت لا ينتقي ضحاياه، وحيث لا شيء محصّن أمام القصف: لا خيمة، لا رحم، ولا حتى حضن الأم.
في الأروقة المجاورة، تسمع أحيانًا بكاء طفل فقد أمّه، أو نداء صغير يبحث عن أبيه، بعضهم فقد كلا الوالدين، وبعضهم لا يعرف حتى من بقي له.
رغم كل ذلك، تواصل أماني الجلوس إلى جوار حمزة، تطعمه، تبلل شفتيه بالماء، وتهمس له أحيانًا باسم “ملاك”. لعلّها تعني بها أخته الراحلة، أو ربما تحمل الاسم إلى جنينها القادم، كأنها تستدعي الحياة من تحت الرماد.
نشر مكتب الإعلامي الحكومي في غزة في آخر بيان له أن عدد الأطفال الشهداء ما دون العام وصل إلى 892 طفلاً، ومجمل عدد الشهداء من الأطفال تجاوز 18 ألف طفل.
في غزة، لا تنتهي القصص، بل تتناسل من بعضها كالحزن، وكل يوم يولد فيه وجع جديد. هنا، تُروى المأساة على هيئة أمٍ مكلومة، وطفلٍ محروق، وذكرى لا تموت. الموت لا يغيب، والفقد لا يستأذن.