في مساءٍ آخر من أمسيات الحرب على غزة، اجتمع عدد من الشبان الغزيين في (كافتيريا الصفطاوي) الواقعة على شارع صلاح الدين في مخيم النصيرات، بحثًا عن لحظة راحة نادرة وسط جحيم الحرب المتواصلة.
لم تكن الكافتيريا مجرد مقهى بسيط؛ بل كانت ملاذًا صغيرًا يتبادلون فيه الأحاديث، يحتسون مشروبًا خفيفًا مما تبقّى من بقايا الحياة في ظل المجاعة، ويشحنون هواتفهم المحمولة في ظل انقطاع التيار الكهربائي المستمر.
لكن حتى هذه الفسحة الضيقة لم تُستثنَ من نيران الاحتلال الإسرائيلي، الذي استهدف الكافتيريا بصاروخ مباشر قبل أربعة أيام، ما أدى إلى استشهاد خمسة شبان وإصابة آخرين بجروح خطيرة.
إيمان، شقيقة الشاب أيمن أبو زبيدة، كانت تتحدث إليه عبر الهاتف لحظات قبل القصف. تقول:
(كنت أطمئن عليه، وفجأة سمعت دوي انفجار هائل عبر الهاتف، ثم صوت أيمن يردد الشهادة ثلاث مرات. كنت أصرخ باسمه لكنه لم يُجب، فأغلقت الخط واتصلت بوالدتي. وحين علمت أنه في الكافتيريا، أيقنت أن الأمر جلل.)
نُقل أيمن إلى المستشفى في حالة حرجة، ولا يزال يرقد في العناية المركزة يصارع الموت.
أما انتصار السعافين، الأم التي قُدّر لها السفر إلى قطر لتلقي العلاج في ظل انهيار النظام الصحي في قطاع غزة، فكانت تتابع أخبار مخيم النصيرات عبر مجموعات (تلغرام)، حين صدمتها صور قصف الكافتيريا.
بين الجثث الملقاة على الأرض، لاحت لها ملامح مألوفة.
(عرفته من ملابسه، من هيئته… نعم، كان ابني أحمد)، تقول الأم بصوت يغلفه الرضا والحزن.
قبل استشهاده بثلاثة أيام، ظهر أحمد في مكالمة فيديو مع شقيقته، أنيقًا.
(سألته مازحة: لماذا ترتدي أجمل ملابسك؟ فأجابني: أريد أن ألقى ربي نظيفًا.)
وبالفعل، ارتقى أحمد شهيدًا في القصف.
أصرت أم أحمد، التي حُرمت من وداع ابنها بسبب الإغلاق المحكم للمعابر ومنع حركة المسافرين، على توديعه عبر مكالمة فيديو، تُحادثه وتهمس له بكلماتها الأخيرة في وداعه الأبدي.
كل من كان في الكافتيريا من شباب، لم يحملوا سلاحًا، بل هربوا من أعباء القصف، يتقاسمون وجعهم، ويشحنون بطاريات هواتفهم على أمل مكالمة تُطمئن بها أم على ابنها، أو رسالة يبعثها شاب إلى صديقه.
لكن حتى هذا الحيز الإنساني، قررت آلة الحرب الإسرائيلية أن تُنهيه.
لقد تحوّلت كافتيريا الصفطاوي من ملاذ للحياة، إلى شاهد جديد على فظاعة الاحتلال، وكمّ القسوة التي تنال من كل تفاصيل يوميات الفلسطينيين، حتى أبسطها: جلسة أصدقاء تحت ضوء خافت.