يعيش قطاع غزة منذ أكتوبر 2023 أزمة سيولة نقدية خانقة وغير مسبوقة، نتيجة الحرب المستمرة والحصار الإسرائيلي المشدد.
وتسببت هذه الأزمة في شلل شبه كامل للنظام المصرفي، مما أدى إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للسكان.
وتعود أسباب الأزمة إلى رفض سلطات الاحتلال إدخال أي كميات من النقد إلى أسواق غزة منذ بدء الحرب، إلى جانب الصمت غير المبرر من سلطة النقد تجاه الأزمة، وما ينبغي فعله للتخفيف من حدّتها.
وبالإضافة إلى ذلك، تعرّضت العديد من فروع البنوك ومقراتها للتدمير نتيجة القصف المستمر من جيش الاحتلال، بالتزامن مع خروج أجهزة الصراف الآلي عن الخدمة.
أزمة تتفاقم
سند سلطان، بائع خضروات في سوق مخيم جباليا الشعبي، يصف المشهد اليومي بقوله:
"يا أخي، إحنا مش عارفين نشتغل، الناس بتشتري بـ10 شيكلات مهترئة، والعملة كلها مشققة أو ملزوقة بلزق شفاف، الزبون بدّه يشتري، وأنا مش قادر أرجع له فراطة، لأنه أصلًا ما في فراطة".
وتزداد المشكلة تعقيدًا مع إحجام بعض المحال التجارية عن قبول الأوراق النقدية التالفة، ما يدفع الزبائن أحيانًا للتراجع عن الشراء، ويضع الباعة في مواجهة مباشرة مع غضب الشارع.
وأضاف: "كتير زباين بيزعلوا، وبعضهم بطّل يشتري لما أرفض العملة، بس شو أعمل؟ المحلات الثانية ما بتقبلها، والبنك مغلق، وما في حد بيصرّف".
ومع تعطل معظم البنوك وأجهزة الصراف الآلي منذ بدء العدوان الأخير، يضطر المواطنون إلى تداول أوراق نقدية مهترئة و"مغسولة"، كما وصفها أبو خالد، قائلًا:
"إحنا قاعدين بنبيع ونشتري بعملة مهترئة، لدرجة إنه مرات بطلعلي ورقة 20 شيكل مغسولة وما فيها ملامح".
وختم أبو خالد شكواه: "الوضع خنقنا، لا كاش نظيف، ولا بنوك، ولا سلطة النقد معبّرة السوق.. إحنا بندبّر حالنا بالمعجزة بس".
في حين يتساءل تاجر الملابس في سوق الشيخ رضوان، أبو أمير: "سلطة النقد وينها؟ الناس بتتخانق عندي على العملة التالفة والفكة، وكل يوم نفس المشكلة! لا في تدخل، ولا ضخ سيولة، ولا حتى تصريح يطمن الناس".
ويُعد هذا المشهد اليومي انعكاسًا حادًا لحالة الانهيار الاقتصادي المتسارع في القطاع المحاصر، وسط غياب حلول ملموسة من الجهات المختصة.
إصلاح العملات التالفة
ويرفض الباعة والمشترون قبول العملة التالفة والمهترئة، إلى جانب رفض فئة الـ10 شيكلات، وهو ما زاد من أزمة السيولة النقدية وأدى إلى تفاقمها، لتصل نسبة عمولة الحصول على النقد "التكييش" إلى أكثر من 30%.
وبسبب النقص الحاد في الأوراق النقدية، انتشرت ظاهرة إصلاح العملات التالفة، حيث يقوم المواطنون بغسل وترقيع الأوراق النقدية باستخدام الشريط اللاصق لإعادة تداولها في الأسواق.
وأدى غياب سلطة النقد والبنوك عن القطاع المصرفي في غزة إلى انتشار السوق السوداء بشكل جنوني، حتى باتت هي السوق المتحكمة بالنقد في غزة.
وبالإضافة إلى أزمة السيولة، فرضت شركة "بال باي" قيودًا إضافية على التحويلات المالية في قطاع غزة، حيث حدّدت سقف التحويل اليومي بمبلغ لا يتجاوز 500 شيكل، وسمحت بعملية تحويل واحدة فقط يوميًا لكل مستخدم.
ويرى مختصون أن أزمة السيولة النقدية في غزة تتطلب تدخلًا عاجلًا من الجهات المعنية، بما في ذلك تسهيل إدخال النقد إلى القطاع، وإعادة تأهيل البنية المصرفية، وتخفيف القيود على التحويلات المالية، لضمان استقرار الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للسكان.