قائمة الموقع

خطة اجتياح غزة تصطدم بجدار "الرفض والانقسام"

2025-05-06T15:06:00+03:00
غزة _ خاص الرسالة نت 

رغم الضجيج الإعلامي ( الإسرائيلي ) حول خطط "احتلال غزة" و"إجلاء السكان"، إلا أن ما يجري خلف كواليس الحكومة والجيش يعكس مشهدًا معاكسًا تمامًا، عنوانه العريض: رفض متصاعد لأي مغامرة برية جديدة داخل القطاع.

ففي الوقت الذي يروّج فيه نتنياهو وسموتريتش لمشاريع اجتياح وتطهير جغرافي، فجّر رئيس أركان جيش الاحتلال، إيال زامير، صفعة سياسية مدوّية لحكومة نتنياهو حين حذّر، صراحةً، من أن اجتياحًا شاملًا لقطاع غزة قد يقتل الأسرى(  الإسرائيليين)  المحتجزين لدى المقاومة بدل تحريرهم.
زامير، وفي مشاورات أمنية عُقدت مؤخرًا، قال بوضوح: "في خطة اجتياح شامل، لن نصل بالضرورة إلى الأسرى... تذكروا أننا قد نخسرهم".

هذا التحذير لم يكن عرضيًا، بل ترافق مع دعم من رئيس "الشاباك" نفسه، رونين بار، الذي اعتبر أن الحل يكمن في عمليات أقل حدّة تتيح العودة لمسار المفاوضات، لا في التصعيد.

في المقابل، وقف وزراء من حكومة نتنياهو على الجهة الأخرى من المعادلة، متمسكين بخيار الحرب الشاملة تحت ذريعة أن لا صفقة أسرى دون كسر المقاومة.
الانقسام لم يتوقف عند الميدان، بل وصل إلى حدّ التراشق الحاد بين زامير والقيادة السياسية حول قضية توزيع المساعدات الإنسانية.

بحسب القناة 12 العبرية، رفض زامير بشكل قاطع مشاركة الجيش في توزيع المساعدات، وقال مخاطبًا الوزراء: "لن أخاطر بالجنود لتوزيع الماء والخبز على حشد غاضب وجائع".

وأضاف: "هذا أمر منتهٍ". وُصفت لهجته بأنها "متحدية"، بل و"فارِضة للواقع"، ما زاد التوتر في قمة هرم المؤسسة الأمنية والسياسية.

وفي سياق متصل، جاء ما كشفه مراسل القناة 12 العبرية ليُسهم في تعرية حالة التهويل الدعائي. إذ اعتبر أن "الضجة أكبر من الخطة"، مضيفًا أن كل ما يُروّج له في الإعلام من سيناريوهات وأسماء عمليات وتهديدات باجتياح غزة، لا يعكس تغييرات جوهرية ميدانيًا.

 فبحسب تعبيره، الجيش يحتل بالفعل أكثر من 30% من قطاع غزة منذ أشهر، بما يشمل محاور استراتيجية كـ"فيلادلفيا"، دون أن يحقق ذلك كسرًا للمقاومة أو إفراجًا عن الأسرى.

وأشار إلى أن هذه الخطط، حتى إن وُجدت، فلن تدخل حيز التنفيذ قبل انتهاء زيارة ترامب المرتقبة للمنطقة، ما يسلط الضوء على رهان الاحتلال على متغير خارجي ربما يعيد الحياة إلى مسار تفاوضي ميت، رغم أن آخر نقاش داخل "الكابينت" استبعد هذا الاحتمال.

كل هذه المعطيات تعيدنا إلى النقطة الجوهرية: الاحتلال الإسرائيلي غارق في فوضى استراتيجية. فبينما تتسابق الأذرع السياسية على إطلاق التهديدات ورفع شعارات "إسقاط حماس" و"ضم غزة"، تسحب المؤسسة الأمنية يدها تدريجيًا من مغامرة باتت تُنذر بعواقب داخلية خطيرة.

وعلى الأرض، تُستدعى عشرات الآلاف من جنود الاحتياط، بينما الجيش نفسه غير مقتنع بجدوى هذه الجولات. فالرهائن لا يُحررون بالقصف، والمعركة لا تُحسم في ظل رفض داخلي متصاعد وشرخ متعمق بين من يحمل البندقية ومن يلوّح بالميكروفون.

كما خرج وزير الحرب الأسبق موشيه يعلون ليصف الحكومة بأنها "ترسل الجنود إلى معركة بلا هدف، وتتجاهل الأسرى في أنفاق غزة"، مشددًا على ضرورة إزاحة القيادة الحالية التي تضع حساباتها السياسية فوق حياة الجنود.

أما داخل المؤسسة الأمنية، فيظهر الارتباك أكثر وضوحًا. قرار هيئة الأركان بنقل القوات النظامية من جبهات الشمال إلى غزة، خوفًا من انخفاض نسبة استجابة الاحتياط، يكشف حجم التململ داخل الجيش. فحتى الجنود لم يعودوا يثقون في جدوى المعركة، ولا يرون فيها هدفًا واضحًا.

عائلات الأسرى، من جهتها، هاجمت الحكومة بعنف، واتهمتها صراحة بتضييع الفرص، وبأن شعار "تقويض حماس" ليس سوى ستار لتمديد الحرب من أجل بقاء سياسي هش. 

يديعوت أحرونوت نقلت عن العائلات قولها: "استمرار الحرب يخدم المتطرفين… والحكومة بلا خطة، بلا بوصلـة".

المفارقة أن كل هذه الأصوات الغاضبة تأتي في ظل تهديدات إعلامية يومية بـ"إعادة احتلال القطاع"، في مشهد بات أشبه بالحرب النفسية الذاتية.

 فبينما يعلو الصوت السياسي بالتهديد، تنخفض القناعة العسكرية بجدوى أي اجتياح. وحتى الخطة الأخيرة، التي حملت اسم "مراكب غدعون"، تبدو كأنها حبر على نوايا، أكثر منها خطة واقعية قابلة للتنفيذ.
هذا الانقسام العميق يعكس ما بات واضحًا للجميع: الاحتلال يدور في فراغ استراتيجي، تتصارع فيه الكتائب السياسية، وتُستنزف فيه المؤسسة العسكرية، بينما تبقى غزة صامدة، تُفشل مشاريع الاجتياح مرة تلو أخرى، لا بصواريخها فقط، بل بثبات مجتمعها وإرباكها المستمر لعقل العدو.

اخبار ذات صلة