قائمة الموقع

مقال: محرقة غزة: الجبهة الداخلية

2025-05-07T12:23:00+03:00
د. محمد إبراهيم المدهون

رغم المحرقة المستعرة في غزة وتفاقم مظاهر الانفلات والبلطجة، تبقى الجبهة الداخلية بوابة النجاة، إذ يستدعي الواقع سياسات إنقاذ تُعيد للمجتمع الغزي توازنه من خلال منظومات شعبية تُحصّن الأمن الأهلي، وتُعزز التكافل، وتستثمر في الوعي القيمي والطاقات الشابة، في مشروع وطني جامع يُقاوم الخراب لا فقط بالسلاح، بل بالأخلاق والتكاتف والعمل، لتبقى غزة منارة صمود لا تُطفأ، ومجتمعًا حيًا ينهض من بين الركام بإرادة لا تُقهر.

 

في ظل المحرقة المستمرة التي تعيشها غزة، وما خلفته من دمار مادي ونزيف بشري ومأساة إنسانية غير مسبوقة، تغدو الحاجة إلى مقترح سياسات لتقوية الجبهة الداخلية الفلسطينية أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فالعدوان لم يكن موجّهًا إلى البنية التحتية فحسب، بل استهدف الإنسان الفلسطيني في وعيه وثقته وانتمائه، وسعى إلى تفتيت النسيج الوطني والاجتماعي، مما يفرض على القيادة الفلسطينية، بمختلف أطيافها، تبني سياسات فاعلة تعيد الاعتبار للمواطن، وتحمي وحدة المجتمع، وتحصّن جبهته الداخلية من الانهيار أو الاختراق.

في قلب الجحيم المفتوح الذي تعيشه غزة منذ أكتوبر 2023، حيث لا يكاد ينطفئ رماد المجازر حتى يُبعث من جديد، تبدو الجبهة الداخلية آخر خطوط الصمود وأول ساحات الإنقاذ. ومع تفاقم الأوضاع الأمنية وازدياد مظاهر السرقات، وتنامي عصابات البلطجة والسطو في ظل غياب شبه تام لمقومات الدولة، تبرز الحاجة إلى سياسات شجاعة وعميقة تُعيد لحمة المجتمع وتمنع تفككه من الداخل.

إن أولى خطوات التمكين تبدأ بإعادة الاعتبار لمفهوم الأمن المجتمعي، كجزء من مشروع المقاومة لا على هامشه. فالأمن في زمن المجازر ليس ترفًا، بل ضرورة وجودية تمنع الفوضى من التهام ما تبقى من النسيج الوطني. ويجب أن تُبنى منظومة أمن داخلي تعتمد على أهلية المجتمع، من خلال لجان محلية شعبية منظمة، تُراقب وتردع وتوثّق، لا تتحول إلى أدوات قمع بل حواضن حماية.

ويوازي ذلك الحاجة إلى تجفيف منابع الانفلات، التي تُغذيها الأزمات الاقتصادية والفراغ القيادي. لا بد من ضخّ مبادرات إغاثية ومعيشية مباشرة توفّر الحد الأدنى من الكرامة، وتكسر حلقة الجوع واليأس التي تدفع البعض إلى الجريمة. الجمعيات، والبلديات، والمبادرات الشبابية، يجب أن تُفعّل ضمن تنسيق مركزي صارم يمنع التكرار ويُعزز العدالة في التوزيع.

أما على المستوى القيمي، فإن استنهاض الوعي الديني والأخلاقي لم يعد خيارًا خطابيًا، بل علاجًا وقائيًا واجبًا. المساجد والمدارس والأطر التربوية – رغم دمارها – ينبغي أن تُفعّل بدورها التوعوي، عبر خطاب يُعيد للناس إيمانهم بالحق والعدل ويُحذر من خطيئة نهش الذات تحت الاحتلال.

في ذات السياق، يجب احتضان الجيل الشبابي الذي ينشأ بين ركام البيوت، وبات فريسة سهلة لتجنيد العصابات أو الوقوع في العدمية. مطلوب برامج إرشادية، ومساحات آمنة بديلة، ومبادرات فنية ورياضية وإعلامية تُعيد بناء الشخصية الغزّية المقاومة، وتفجّر طاقات الشباب نحو الفعل لا نحو التخريب.

كما أن الإعلام المحلي والدولي المقاوم يتحمّل مسؤولية فضح هذه الظواهر المنحرفة دون تهويل أو تبخيس، عبر تسليط الضوء على قصص الصمود والشرف، وتقديم نماذج تُقاوم لا فقط الاحتلال، بل الخيانة والسرقة والتفكك.

ولا يكتمل هذا الإطار دون وجود مرجعية موحدة للطوارئ المدنية، تتولى التنسيق بين الأطراف الفاعلة في الميدان – مقاومة، دفاع مدني، أطر مجتمعية، إغاثة – وتمنع التنازع أو تضارب الصلاحيات، بما يضمن الوصول المنظم لكل بيت محتاج ويعيد الثقة بين الناس والمؤسسات.

وأخيرًا، فإن إعادة ترميم الثقة المجتمعية تبدأ من العدل لا من القوة. كل جريمة داخل غزة اليوم لا تهدد فقط فردًا، بل تقوّض مشروع التحرر نفسه. لذلك، يجب العمل على إعادة إحياء منظومات العدالة المجتمعية، بوسائل محلية مرنة، تحقّ الحق وتحفظ الهيبة وتعيد الاعتبار للضحية.

في زمن المحرقة، لا يكون النصر بالبندقية فقط، بل بالتماسك الداخلي الذي يمنع الطعن في الظهر، ويجعل من كل شارع في غزة خندقًا أخلاقيًا مقاومًا. غزة لا تحتاج فقط إلى وقف النار، بل إلى سياسات تبني جبهة داخلية تحرس البيت من داخله، وتمنع الموت الأخلاقي تحت أنقاض العدوان.

 

اخبار ذات صلة