في الوقت الذي يواجه فيه قطاع غزة كارثة إنسانية غير مسبوقة بفعل الحصار الإسرائيلي المستمر والعدوان المتواصل، برزت إلى الواجهة مؤسسة أمريكية جديدة تحمل اسم "مؤسسة غزة الإنسانية" (GHF)، تم الترويج لها كمنصة إنسانية تهدف إلى سد فجوات العمل الإغاثي في القطاع. غير أن الوقائع والمعطيات تكشف أن هذه المؤسسة، رغم شعاراتها البراقة، تعتبر رأس الحربة في تنفيذ مخطط أميركي-إسرائيلي أوسع يستهدف القضاء على وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، وتصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين، وفرض وقائع سياسية خطيرة تمهد لتصفية الحقوق الوطنية المشروعة وعلى رأسها حق العودة.
ولادة مشبوهة في توقيت حساس
تأسست GHF وسط انهيار قنوات الإغاثة التقليدية بفعل حرب الإبادة الجماعية والحصار، وفي خضم حملة تشويه غير مسبوقة ضد الأونروا تقودها (إسرائيل) وأطراف أميركية نافذة.
لم يكن هذا التأسيس عفويًا أو بريئًا؛ بل جاء وفق خطة محكمة لتغيير معادلة العمل الإنساني في غزة، وتحويله من أداة صمود ودعم للحقوق الوطنية إلى أداة ابتزاز سياسي وتصفية للهوية الوطنية للاجئين.
نموذج تشغيلي يخفي أجندات خطيرة
تتباهى GHF بعزمها إنشاء أربعة مراكز توزيع آمنة تخدم 1.2 مليون شخص، مع خطط للتوسع إلى أكثر من 2 مليون. ما يبدو للوهلة الأولى عملاً إنسانيًا، يخفي خلفه مخططًا مفضوحًا لنقل خدمات الأونروا إلى مؤسسات بديلة تفتقد للبعد السياسي والوطني، وتسعى لطمس صفة "اللاجئ" وتحويله إلى "محتاج إنساني"، منزوع الهوية الوطنية وحق العودة.
هذه المراكز ليست سوى نواة لمناطق عزل وفصل جغرافي وديمغرافي تُشبه إلى حد بعيد "معسكرات اعتقال جماعية" كما وصفتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، تمهد لفرض واقع تهجيري قسري تحت غطاء إنساني زائف، في انسجام تام مع خطة الاحتلال لخلق "فقاعات إنسانية" يتم فيها احتجاز السكان بحجة تقديم المساعدات.
قيادة مشبوهة وارتباطات استخباراتية
يضم مجلس إدارة GHF شخصيات ذات خلفيات مشبوهة ومتصلة بشكل مباشر أو غير مباشر بمؤسسات أميركية ذات صلات بالأمن القومي والسياسات الخارجية:
نيت موك: الرئيس السابق لمنظمة World Central Kitchen، المتهمة بتنفيذ أجندات سياسية تحت غطاء العمل الإنساني.
جيك وود: مؤسس Team Rubicon، وهي منظمة تجمع بين العمل الإغاثي والتدخل في الأزمات بما يتفق مع المصالح الأمنية الأميركية.
ديفيد بيزلي: المستشار البارز ومدير برنامج الأغذية العالمي السابق، الذي واجه انتقادات واسعة لدوره في تسييس العمل الإنساني.
هذه الشخصيات تدير المؤسسة وفق مبادئ لا تخفي ارتباطها بالأجندات الأميركية، وتتبنى مفهوم "الابتكار التكيفي"، الذي في جوهره يعني تكييف المساعدات لتحقيق أهداف سياسية وأمنية، وهو ما أكده البيان الصادر عن الجبهة الشعبية، محذرًا من هذه المؤسسة ومثيلاتها التي تسعى لشرعنة الاحتلال وتحويل المساعدات إلى أداة للسيطرة والتحكم.
تفكيك الأونروا وتبديد حق العودة
ما ستقوم به GHF لا ينفصل عن المشروع الأكبر لتصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين. الأونروا، التي أنشئت بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 302 عام 1949، تُعتبر الشاهد الحي على نكبة الشعب الفلسطيني وتهجيره القسري. وهي تحافظ على هوية اللاجئ الفلسطيني وتوثق حقه في العودة، ما جعل استمرار عملها مصدر قلق وإزعاج دائمين للاحتلال الإسرائيلي والإدارة الأميركية.
هذه المؤسسة تحمل في أرشيفها سجلات اللاجئين وحقوقهم، وتُجسد التزام المجتمع الدولي السياسي تجاههم. لذا، فإن أي محاولة لإضعاف الأونروا أو استبدالها بمؤسسات مشبوهة كـ GHF تعني عمليًا طمس هوية اللاجئ وتصفية قضية العودة.
آلية (2720): غطاء إنساني لمشروع تهجيري
توازيًا مع تأسيس GHF، روّج الاحتلال لآلية خطيرة تُعرف باسم (2720)، يتم فيها فرض السيطرة على ملف المساعدات وتحويله إلى أداة ابتزاز سياسي، عبر اشتراط تسجيل المؤسسات الدولية بياناتها الأمنية لدى الاحتلال، في تجاوز فاضح للقانون الدولي.
هذه الآلية ليست سوى وسيلة لتأمين الهيمنة على القرار الإنساني في غزة، ودفع السكان قسرًا إلى مناطق معزولة تحت وطأة الجوع والحاجة، فيما تظل الأونروا – بما تمثله من بُعد قانوني وسياسي – العائق الأكبر أمام تنفيذ هذه المخططات.
هل تصبح المساعدات سلاحًا جديدًا للاحتلال؟
وفق ما كشفته وثائق المؤسسة، فإن المساعدات تُدار عبر بنوك أميركية كبرى مثل JP Morgan، وهناك فرع قيد التأسيس في سويسرا. هذا الترتيب المالي ليس معزولًا عن الأهداف السياسية، بل يفتح الباب أمام فرض شروط مشبوهة على المستفيدين، تُمكّن الاحتلال وحلفاءه من التحكم بمن يتلقى المساعدات وكيف ومتى.
وما يثير القلق أكثر هو خطط المؤسسة لاستخدام مركبات مصفحة وشبكات لوجستية "آمنة" تتجاوز المؤسسات الفلسطينية الشرعية، ما يعزز تكريس واقع العزل والتقسيم المجتمعي، بعيدًا عن أي إشراف وطني أو دولي حقيقي.
معركة هوية ووجود
ما يجري اليوم من محاولات ممنهجة لتدمير الأونروا وتصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين يمثل أخطر مراحل التصفية الوطنية التي تستهدف الشعب الفلسطيني. GHF ليست سوى واجهة حديثة لمخطط قديم، بدأ منذ سنوات طويلة لطمس الحق التاريخي في العودة وإعادة تعريف الفلسطينيين كـ"محتاجين إنسانيين" بلا قضية ولا حقوق سياسية.
ويبقى التمسك بالأونروا والعمل على تعزيز دورها ورفض كل المحاولات المشبوهة لاستبدالها أو تهميشها واجبًا وطنيًا وإنسانيًا، دفاعًا عن القضية الفلسطينية وحق اللاجئين في العودة إلى ديارهم، كما كفلته قرارات الأمم المتحدة ومواثيق القانون الدولي.