منذ عقود، تُقدَّم الأونروا كعنوان أممي "نبيل" لإغاثة اللاجئين #الفلسطينيين ودعم حقهم في #العودة. لكن، وفي ظل التجربة الطويلة، يتضح شيئاً فشيئاً أن هذه الوكالة ليست كما يُراد لها أن تظهر. بل لعلها أصبحت، من حيث لا يُراد الاعتراف، جزءاً من منظومة تدير أزمة اللاجئين، وتمنع انفجارها، دون أن تضع حلاً حقيقياً لها.
تُقدِّم الأونروا التعليم، الرعاية الصحية، وبعض المساعدات الاجتماعية، وهذا لا يُنكر. لكن أي خدمة هذه التي تُقدَّم تحت الحصار، وتُدفع ثمناً للدم؟ #غزة، اليوم، تدفع الثمن الأغلى لتمسكها بحق العودة، بينما يتلقى باقي اللاجئين ــ في الضفة الغربية والشتات، خصوصاً في #لبنان، #سوريا، و #الأردن ــ الخدمات ذاتها دون مشاركة تُذكر في مشروع النضال الفعلي من أجل العودة.
لا يمكن تجاهل أن العلاقة بين #غزة وبقية مناطق اللجوء باتت سطحية، يربطها بعض الارتباط العاطفي أو الحراك المحدود، لكنها تفتقر إلى الفعل السياسي والميداني الحقيقي. هنا، تظهر المفارقة: الاستفادة من خدمات الأونروا مستمرة، أما التضحيات، فتكاد تتركز في غزة وحدها.
الأونروا اليوم لم تعد فقط وكالة إغاثة، بل أصبحت أداة طحن للوعي الفلسطيني. تُبقي حلم "العودة" شعاراً مفرغاً، مرتبطاً بقرارات دولية لا تُنفذ، ولا تملك قوة الإلزام. متى ضمنت الأمم المتحدة فعلاً حق الفلسطينيين؟ هل فرضت يوماً قراراً على إسرائيل؟ أم أنها تُدار وفق موازين قوى لا تعرف للحق وزناً؟ إن "حق العودة" في هذا السياق، لم يعد سوى وسيلة لتفريغ النضال من مضمونه، وتأجيل التحرير إلى أجل غير معلوم.
وأكثر من ذلك، يبدو أن دور الأونروا قد انتهى لدى الدول العظمى. لكنها لا تزال بحاجة إلى جسم بديل يدور في فلكها، يضمن استمرار إدارة الملف الفلسطيني ضمن سقف تنازلات أوسع، وبمراوغات أعمق، لمصادرة ما تبقى من الحقوق الفلسطينية، دون الحاجة لربطها بمؤسسات الأمم المتحدة أو حتى بالهوية الفلسطينية السياسية.
هكذا بدأت تظهر بدائل جديدة مثل مؤسسة #غزة الإنسانية وبرنامج الغذاء العالمي، وهي مؤسسات تلبس ثوب المساعدات الإنسانية، لكنها مُفرغة تماماً من أي مضمون سياسي يتعلق بالعودة أو إنهاء الاحـ ـ ـتلال. وهكذا تتحول القضية من حق شعب في وطن مسلوب، إلى مسألة دواء وغذاء، في مشهد خادع يُراد له أن يُنهي الوعي لا أن يُنهي المعاناة. وصرنا نلهث وراء الأونروا كأنها "عقال العودة"، بينما لا تمثل في حقيقتها سوى نكبة مضافة إلى نكبات هذا الشعب المظلوم
الحق لا يُستعاد ببطاقات تموينية ولا بمناهج دراسية تُموَّل من دول المانحين. الحق يُستعاد بالوعي، بالربط بين اللاجئ والمـ ـ ـقاوم، وبالتحرر من وهم أن المؤسسات الدولية ستعيد لنا ما سُلب.
وفي مقابل هذا المسار المفرغ، تبقى المقـ ـ ـاومة هي الخيار الأصيل لتحرير الشعوب واستعادة الحقوق. فالتاريخ لم يشهد أمة تحررت من الاستعمار أو الاحـ ـ ـتلال عبر قرارات أممية ولا عبر مؤسسات تخضع لإملاءات القوى العظمى.
إن العمل تحت سقف دول تريد لك الموت، ولقضيتك التبديد، لا يمكن أن ينتج عنه إلا مزيد من التيه والخذلان. وحدها المقـ ـ ـاومة الواعية، هي التي تفتح دروب التحرير وتُبقي القضية حية في وجه محاولات الشطب والتذويب.
لقد آن الأوان لقراءة جديدة لدور الأونروا، لا من باب رفض الإغاثة، بل من باب التحرر من فخ إدارتها لقضيتنا. فالمؤسسات التي لا تستطيع الدفاع عن نفسها، لا يمكن أن تكون حاميةً لحق شعب مسحوق.