"كان في إيده آخر فنجان قهوة.. كان بدّه يبيعهم ويرجع عالبيت" بهذه الكلمات البسيطة ، اختصرت والدة الشهيد كمال مريش تفاصيل اللحظة الأخيرة من حياة ابنها، الذي لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره، قبل أن تحيله صواريخ الاحتلال إلى رقم جديد في سجل الشهداء.
يولد الأطفال في قطاع غزة كباراً، وتُختطف أحلامهم سريعًا، كان كمال مثالًا لطفل تجاوز عمره الصغير بثقل مسؤولياته. لم يكن كمال يلهو أو يركض في أزقة الحي كما يفعل أقرانه، بل كان يحمل “ترمس” القهوة، ويجوب به شوارع السوق الشعبي القريب من مفترق التايلندي، باحثًا عن زبائن، وبقلبه طفلٌ يُخفي حلمًا أن يكون مهندسًا معماريًا في المستقبل.
كتب على كمال وعائلته أن يُهجروا من حي الشجاعية بفعل القصف، إلى مدينة دير البلح، ثم إلى حي الرمال. فقدت العائلة منزلها وسيارة والد كمال التي كان يعمل عليها لسد رمق أطفاله. لم يبقَ أمامهم إلا القليل، وكان ذلك القليل يحمل على أكتافه الصغيرة اسم كمال.
مع إصابة والده في رأسه عام 2005، أصبح كمال وشقيقه عيد السند اليومي للأسرة. كانا يتقاسمان الطرق والأسواق، كلٌّ يحمل أدوات القهوة، ويبيع في منطقته. وبين جولةٍ وأخرى، كان كمال يحلم.
تقول والدته: “كان يحب المدرسة، ويطمح لدراسة الهندسة المعمارية في المستقبل، كان يتحدث لي عن حبه للعمارات العالية والأبراج"
في ظهيرة ذلك اليوم، عاد عيد إلى البيت كالمعتاد، لكن كمال تأخر. قال شقيقه إنه رآه آخر مرة يقف على مفترق التايلندي، في يده فنجان واحد من القهوة، يريد بيعه قبل أن يعود. بعد لحظات، دوى انفجار في السوق الشعبي المجاور، ولم تتوقع الأسرة أن يكون كمال من بين الضحايا.
لكن دقائق معدودة مرت، حتى طرق ابن عمه الباب وهو يلهث، يخبرهم أن كمال أصيب ونُقل إلى مستشفى الشفاء. هرع والده إلى هناك، ليجده ممددًا بين الشهداء، لا يحمل في يده شيئًا سوى حلمٍ لم يكتمل.
استشهد كمال، وترك وراءه فنجانين من القهوة، وأمنية بحياة لم تعطه الحرب فرصة عيشها، غادر كأنه يعرف أن دوره انتهى، بعد أن قدّم ما يستطيع من طفولته، ومن عمره القصير، لأجل عائلته.