غزة... فزع ودمار في ليلة أخرى من القتل

غزة... فزع ودمار في ليلة أخرى من القتل
غزة... فزع ودمار في ليلة أخرى من القتل

الرسالة نت- خاص

في غزة، تلك البقعة الصغيرة التي تكاد تضيق على أهلها، كان الليل أكثر سوادًا مما تحمله السماء من ظلام. ليلة أخرى من ليالي العدوان الإسرائيلي، حيث باتت البيوت قبورًا، والأحياء مآتم، والسماء غاضبة من ظلمٍ تخطى حدود الإنسانية، حتى ينظر البعض إلى بعضهم، ثم ترف العين إلى السماء التي لم تتوقف عن إلقاء الحمم منذ 584 يومًا.

أكثر من 100 شهيد ارتقوا في ليلة واحدة، كأن السماء فتحت أبوابها لتستقبل أرواح الأطفال والنساء والشيوخ الذين لم يحملوا في قلوبهم سوى الأمل بغدٍ أفضل.

لكن غزة لا تفكر في الغد، أو بماذا سيأتي في ليالٍ كهذه، حين تصبح صواريخ الاحتلال زوارًا ثقيلة على أسقف المنازل الهشة، وتتحول الأحياء السكنية إلى كومة من الركام، يتسرب منها عطر الموت والدم.
الوقت هنا من دم، بينما يتنقل رئيس الولايات المتحدة بين دول الخليج، تشخص عيوننا وأسماعنا إلى خبر ربما يعطي بعض الأمل في توقف هذه المحرقة.
يستغل نتنياهو فرصة الحديث عن هدنة أو توقف لإطلاق النار تجبره عليه السياسات الخارجية، فيمارس قتل الفلسطيني حتى الدقيقة ما قبل الأخيرة، فيرتقي العشرات ممن كانوا يحلمون بالغد الذي يوقف هذا الشلال.

في شمال القطاع، في جباليا تحديدًا، استهدفت طائرات الاحتلال منزل عائلة شهاب، ليختلط صراخ الأطفال بحشرجة الأنفاس الأخيرة تحت الأنقاض. كانت هناك ألعاب صغيرة بين الركام، وكتب مدرسية ممزقة، وكأنها تروي قصة أطفال كانت أحلامهم لا تتعدى حدود الطفولة البريئة. لم يبقَ من تلك العائلة سوى ذكرى، حملتها الريح إلى أماكن أخرى، تروي حكاية الألم الذي لا ينتهي.

وفي خان يونس، كان الليل أكثر دموية. قصف الاحتلال منزل عائلة أبو أمونة في حي الفخاري، فارتقى خمسة شهداء، بينما بقيت جثث أخرى حبيسة الأنقاض، تنتظر أن تُستخرج لتدفن في مقابر المدينة التي اكتظت بشهدائها.
ثم ثارت لدى الطائرات ثورة القتل، فقصف ستة منازل متجاورة في مدينة خان يونس، وارتقى أكثر من 20 شهيدًا دفعة واحدة، استطاع الدفاع المدني ورجال الإغاثة انتشال بعضهم بطلوع الروح، في ظل إمكانيات شحيحة تكاد تكون معدومة، وفي ظل مستشفيات قصف الاحتلال آخرها بالأمس وهو مستشفى غزة الأوروبي في خان يونس الذي لم يعد يستطيع استقبال مرضاه أو جرحاه.

لم تكتف الطائرات بذلك، بل استهدفت خيام النازحين في منطقة المواصي، حيث لجأ من فقدوا منازلهم إلى تلك الخيام علّها تكون مأوى آمنًا، لكنها أصبحت محرقة أزهقت أرواحًا عديدة.

في عبسان الكبيرة، تكرر المشهد المأساوي. منزل عائلة أبو طعيمة قُصف على رؤوس ساكنيه، فارتقى ستة من أفرادها، بينهم أطفال صغار، كانوا نائمين في أحضان أمهاتهم، لا يعلمون أن الموت سيأتيهم من السماء.
أسماء مثل نور، خالد، وهديل أبو طعيمة، باتت محفورة على شواهد القبور، وهي أسماء لن تُنسى، كما كل من سبقهم في تلك المجازر التي لا تفرق بين صغير وكبير.

ومن حي إلى آخر، تنتقل طائرات الاحتلال لتصب حممها فوق رؤوس الأبرياء. في منطقة السلاطين ببيت لاهيا، أصيب تسعة مواطنين في قصف منزل مأهول، وفي قيزان النجار بخان يونس، استشهدت دعاء الغنام مع طفلتيها جنى ومريم، إلى جانب زوجها معتز، الذين احترقت حياتهم في لحظة واحدة، وكأن الاحتلال لا يريد أن يبقى شاهد على هذه العائلة سوى الرماد.

المستشفيات التي كانت ملاذًا للجرحى، تحولت بدورها إلى هدف للقصف، وشُلت خدماتها تمامًا. الأطباء يكافحون لإنقاذ الأرواح بما تبقى لديهم من معدات وأدوية، في مشهد يُبكي الحجر. في غرف العمليات، ينتظر الجرحى مصيرهم بين الحياة والموت، بينما تملأ صرخات الألم الممرات التي اكتظت بالضحايا.
وفي غرب غزة، كان مشهد الراكضين إلى النجاة التي تتضاءل فرصها مرعبًا، بعد أن نشر الاحتلال تحذيرًا يطالب فيه المواطنين بإخلاء أغلب المناطق في غرب غزة وعلى رأسها مستشفى الشفاء، وخمس مدارس تابعة لوكالة الغوث تأوي عشرات النازحين، الذين وجدوا أنفسهم مجبرين على النزوح مرة أخرى، وكأن الرحلة الشاقة للهرب من الموت لا تعرف نهاية.
شرق وغرب، شمال وجنوب، كل بقعة في غزة مرت آلية القتل فوقها، وجربت وجع الفقد والهدم والدمار والتهجير، على يد محتل يتدرب على القتل كل يوم كهواية سادية محببة.

وفي شمال القطاع، ارتكبت قوات الاحتلال واحدة من أبشع المجازر. ستة منازل مأهولة بالسكان، تعود لعائلات مقبل، القطناني، سويلم، النجار، خلة، وسليمان، سويت بالأرض دفعة واحدة. 52 شهيدًا ارتقوا في لحظة، بينهم أطفال كانوا يحتمون بأحضان أمهاتهم، وشيوخ كانوا يتلون أدعيتهم في انتظار الفرج.

السماء فوق غزة لم تكن زرقاء. كانت سوداء يكسوها الدخان، ورائحة الموت تنتشر في كل مكان. غزة، تلك المدينة الصغيرة، أصبحت لوحة مرعبة رسمتها صواريخ الاحتلال بدماء الأبرياء.

لكن حتى وسط هذا السواد الحالك، كانت هناك قلوب تنبض بالأمل. الناجون من الموت وقفوا فوق أنقاض منازلهم، ينظرون إلى السماء، وكأنهم يقولون: "لن ننكسر، حتى لو هدمتم كل ما نملك."

غزة ليست مجرد مدينة. هي قصة مقاومة تُكتب كل يوم بدماء أبنائها، وصوت الحياة الذي يعلو فوق صوت الموت. هي روح أمة ترفض أن تُمحى، وشعب يرفض أن يركع، مهما بلغت فظاعة العدوان.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من قصص صحفية