في مشهد صادم يكشف تمادي الاحتلال الإسرائيلي في انتهاك القانون الدولي والأعراف الدبلوماسية، أطلقت قوات الاحتلال صباح اليوم الأربعاء الرصاص الحي على وفد دبلوماسي رفيع المستوى أثناء زيارته لمدخل مخيم جنين شمالي الضفة الغربية. الحادثة، التي استهدفت قافلة دبلوماسية مؤلفة من 25 سفيرًا وممثلًا دبلوماسيًا من دول عربية وأجنبية، فجّرت موجة تنديد واسعة وتصعيد دبلوماسي حاد من عدة عواصم حول العالم.
الوفد، الذي ضمّ سفراء من مصر، والأردن، والمغرب، والاتحاد الأوروبي، وفرنسا، وبريطانيا، والبرتغال، والصين، والبرازيل، وكندا، وإسبانيا، والنمسا، وروسيا، واليابان، وتشيلي، ودول أخرى، كان في زيارة ميدانية إلى مدينة جنين ومخيمها للاطلاع على حجم الدمار والمعاناة الإنسانية الناتجة عن العدوان الإسرائيلي المستمر منذ 121 يومًا.
وقد قدّم محافظ جنين للوفد شرحًا مفصلًا حول الخسائر الاقتصادية والإنسانية، وأوضاع عشرات آلاف النازحين الذين شُرّدوا من المخيم بعد أن دمر الاحتلال أكثر من 600 منزل كليًا، ودمّر البنية التحتية وخدمات الكهرباء والمياه والصرف الصحي بشكل ممنهج.
ورغم أن زيارة الوفد كانت منسقة مع جيش الاحتلال الإسرائيلي، حسب ما أكده وزير خارجية بلجيكا، إلا أن الجنود أطلقوا النار على القافلة التي ضمّت عشرين مركبة دبلوماسية واضحة المعالم.
إدانة عربية ودولية غير مسبوقة
سارعت العديد من الدول والمنظمات إلى إدانة الحدث بوصفه "سابقة خطيرة" وانتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني.
مصر أدانت إطلاق النار بشدة، واعتبرته "عملًا عدائيًا ينافي الأعراف الدبلوماسية"، وطالبت الجانب الإسرائيلي بتوضيحات عاجلة.
الأردن عبّر عن غضبه، ووصَف الحادث بأنه "جريمة ضد الدبلوماسية العالمية"، داعيًا المجتمع الدولي لتحمل مسؤولياته تجاه الاحتلال ووقف جرائمه في غزة والضفة.
إسبانيا أدانت بشدة ما جرى، وأكدت أنها تتواصل مع بلدان أخرى لتقديم رد مشترك على الحادثة.
فرنسا وإيطاليا قامتا باستدعاء السفير الإسرائيلي لديهما لتقديم توضيحات رسمية، في خطوة دبلوماسية تعكس حجم الغضب الأوروبي من تصرفات الاحتلال.
الاتحاد الأوروبي أعرب عن قلقه الشديد، وبدأ مشاورات داخلية لتنسيق موقف أوروبي موحد إزاء هذه الانتهاكات المتكررة.
تصعيد أوروبي متدرج ضد جرائم (إسرائيل)
الحادثة تأتي في سياق تصعيد أوروبي واضح في الأسابيع الأخيرة ضد جرائم الاحتلال، خاصة في قطاع غزة والضفة الغربية. فقد بدأت العديد من العواصم الأوروبية تتجه نحو:
تشديد لهجة الخطاب السياسي والدبلوماسي ضد (إسرائيل).
فرض قيود على تصدير الأسلحة والتكنولوجيا ذات الاستخدام المزدوج.
دعم مطالبات تحقيق دولي مستقل في جرائم الحرب المرتكبة.
تنسيق جهود داخل مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة لدفع (إسرائيل) نحو وقف عدوانها.
وقد أكد دبلوماسيون أوروبيون أن "حادثة جنين قد تكون نقطة تحوّل في الموقف الأوروبي تجاه الاحتلال الإسرائيلي، بعد أن أصبحت الدبلوماسية نفسها هدفًا لرصاصه".
حماس: الاحتلال يتصرف كعصابة لا كدولة
من جهتها، اعتبرت حركة المقاومة الإسلامية حماس أن إطلاق النار على الوفد الدبلوماسي "يمثل أعلى درجات الغطرسة والاستهتار بالقانون الدولي"، مؤكدة أن الاحتلال يتصرف كعصابة مسلحة لا كدولة تحترم المواثيق.
وفي ظل العدوان المتواصل على مخيم جنين، بات المخيم الذي شكّل لعقود أيقونة للمقاومة، رمزًا جديدًا للمأساة الإنسانية. أكثر من 22 ألف مواطن شُرّدوا، مئات المنازل دمرت، والاحتلال يواصل سياسات العقاب الجماعي، والإخلاء، والهدم، والتجريف، في محاولة لتغيير البنية السكانية والجغرافية للمخيم.
ما حدث في جنين لم يكن حادثًا معزولًا، بل امتداد لنهج احتلالي لا يعترف بالقوانين ولا يقيم وزنًا للعالم ومؤسساته. لكن رصاص الاحتلال هذه المرة لم يصب فقط أبناء الشعب الفلسطيني، بل استهدف ممثلي العالم أنفسهم، وهو ما قد يفتح الباب لمواقف دولية أكثر جرأة ووضوحًا في وجه الاحتلال، الذي يمعن في تجاوز كل الخطوط الحمراء.
ويبقى السؤال: هل ستكون جنين نقطة التحوّل في الموقف الدولي، أم أن صمت العواصم سيتواصل حتى إشعار آخر؟