رمضان… صيّاد البحر وفريسة بوارج الاحتلال

غزة - خاص الرسالة نت

"خرج ليرمي شباكه، فحصدت جسده… لم يكن يحمل سوى الجوع، فاستقبلته البوارج بالنار."

كان البحر رفيق دربه لعقود. منذ شبابه، عرف رمضان زيدان طريقه إلى شاطئ غزة كما يعرف قلبه. صيّاد ستيني من مخيم الشاطئ، ورث المهنة عن والده، وعلّمها لأبنائه وأبناء أشقائه. البحر كان رزقه الوحيد، صديقه، ومصدر عيشه… إلى أن تحوّل إلى مصيدة موت.

على مدار عام ونصف من الحرب، لم يعرف رمضان طريقًا إلى البحر. حرمته زوارق الاحتلال من رزقه، وأجبرته على المكوث في بيته يتأمل مراكبه الصدئة وشباكه المعلّقة. رأى أبناءه وأحفاده يتضوّرون جوعًا، ولم يملك لهم شيئًا. لم يعد في البيت طحين، ولا سمك، ولا ما يُباع أو يُشترى. الجوع كان سيّد الموقف.

في فجر يومٍ رمادي، حمل رمضان قلبه وخوفه وشباكه، وانطلق. أبحر من شاطئ مخيّمه برفقة ابن أخيه، بينما كان حفيده وابن شقيقه الآخر يراقبانه من بعيد، يدعوان أن يعود سالمًا ببضعة أسماك.

لم يتوغّل رمضان كثيرًا. بضع مئات من الأمتار فقط. لا سلاح، لا تهريب، لا مقاومة… فقط رجل وقارب وشبكة بالية. لكنّ الاحتلال، كعادته، لم يحتمل هذا الوجود الهشّ. أطلقت البوارج الإسرائيلية النار، وارتجّ البحر.

رُشّ جسد رمضان برصاص الحقد، وقُسِم إلى نصفين. غرق المركب بالدم، وأُصيب ابن شقيقه بجراح، بينما ارتطم نصف جسد رمضان بالأمواج لأيام. بعد يومين ونصف، لفظه البحر على ساحل مخيم النصيرات، كأنّ الموج أراد أن يعيد نصف جسده ليُكرَّم بالدفن، بينما احتفظ بنصفه الآخر إلى اليوم.

رمضان لم يكن الوحيد. عشرات الصيادين الفلسطينيين ارتقوا خلال الحرب، قتلهم الاحتلال بذات الطريقة. لا فرق لديه بين من يحمل سلاحًا ومن يحمل شبكة. الصيد، في عرف الاحتلال، جريمة، والنجاة منه معجزة.

اليوم، تفتقد عائلة زيدان الجدّ والرزق معًا. بقي القارب مكسورًا على الشاطئ، والشبكة ممزّقة، والذكريات عالقة في وجوه الأطفال الذين كانوا ينتظرون سمكة… فعاد إليهم نصف جثمان.

رمضان زيدان شهادة جديدة على أن الاحتلال لا يقتل فقط بالرصاص، بل بالحصار والتجويع وحرمان الإنسان من أبسط حقوق الحياة.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من قصص صحفية