يشهد قطاع غزة خلال الشهر الجاري تصعيدًا لافتًا في أداء فصائل المقاومة الفلسطينية التي كثّفت من عملياتها النوعية ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي المنتشرة في مناطق متفرقة من القطاع، خاصة في الشمال والجنوب، لتؤكد مجددًا قدرتها على استنزاف العدو، ومراكمة الخبرات، وتثبيت معادلات الردع.
وأعلنت كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة "حماس"، عن تدمير ثلاث دبابات من طراز "ميركافا" عبر عبوات شديدة الانفجار، في عملية مركّزة جرت منتصف يونيو شرقي مخيم جباليا. وأظهرت لقطات مصورة دقة التفجير ومهارة المقاتلين في رصد الآليات قبل استهدافها، ما يؤكد تطور تقنيات الرصد والتفخيخ لدى المقاومة.
وفي حي الشجاعية، عاد قناصو القسام إلى الواجهة، حيث تم قنص جندي إسرائيلي بدقة في السادس من يونيو، شرقي شارع المنطار، وهي العملية التي تبنّتها الكتائب لاحقًا ضمن سلسلة عمليات "طوفان الأقصى".
أما في جنوب القطاع، فقد أعلن مجاهدو القسام عن قصف مواقع العدو في منطقة قيزان النجار جنوب خان يونس بقذائف هاون، بالتزامن مع استهداف مستوطنتي "نيريم" و"العين الثالثة" شرق المدينة بمنظومة صواريخ "رجوم" من عيار 114 ملم، والتي أثبتت فعاليتها في إرباك تجمعات الجيش ومواقعه الثابتة.
سرايا القدس: إسقاط مسيّرة وضربات موجعة
بدورها، واصلت سرايا القدس، الذراع العسكري لحركة "الجهاد الإسلامي"، تنفيذ عمليات معقدة، حيث أعلنت إسقاط مسيّرة إسرائيلية من نوع "ماتريس 600" شرقي حي التفاح، وهي طائرة بدون طيار كانت محملة بالقنابل وتستخدم عادة في عمليات الإغارة الجوية.
وفي محيط مسجد رياض الصالحين شرقي جباليا، فجّر مقاتلو السرايا عبوة ناسفة في آلية عسكرية إسرائيلية، وأتبعوها بقصف مركز بقذائف هاون أدى لإصابات مباشرة في صفوف جنود العدو.
كما أكدت السرايا تدمير آلية عسكرية بعبوة برميلية مزروعة مسبقًا في منطقة جورة اللوت جنوب خان يونس، في عملية تعكس عمق التخطيط المسبق ودقة التمويه.
وفي واحدة من أبرز عملياتها المركبة، استخدمت السرايا صاروخي فاغوت ومالوتكا لاستهداف مقر قيادة صهيوني وقوة خاصة إسرائيلية تتحصن في منازل سكنية شمال شارع 5 غرب مسجد صالح عبد الغفور. وتمت العملية بتغطية نارية كثيفة واستخدام قنابل دخانية، وأجبرت الاحتلال على استخدام مروحيات للإخلاء، بعد أن رُصدت عمليات نقل قتلى وجرحى.
تراجع المعنويات في صفوف العدو
في ظل هذا التصعيد الميداني، تعكس المعطيات الإسرائيلية حجم الاستنزاف الذي تتعرض له قوات الاحتلال. حيث كشفت قناة "كان" العبرية عن معاقبة مقاتل في لواء نحال بالسجن 10 أيام لرفضه العودة إلى القتال، مشيرًا إلى أنه "منهار نفسيًا"، وهو ما يسلط الضوء على تآكل الروح المعنوية في صفوف الجنود.
ومنذ بداية يونيو/حزيران، ارتفعت حصيلة قتلى جيش الاحتلال في غزة إلى أكثر من 39 جنديًا وضابطًا، في سلسلة عمليات نوعية في جباليا والشجاعية وخان يونس.
وتواصل فصائل المقاومة نشر تسجيلات مصورة توثق حجم العمليات ودقتها، من تدمير ناقلات جند إلى استهداف الجنود في محاور التماس. وتظهر المقاطع تكتيكات جديدة في الكمائن والتفخيخ، واستخدام تقنيات الرصد الليلي، وتطوير صواريخ قصيرة ومتوسطة المدى مخصصة لضرب التجمعات والمواقع الثابتة.
تكشف معطيات الشهر الجاري عن تصاعد واضح في وتيرة وكفاءة عمليات المقاومة، مما يؤكد أن فصائل غزة لم تفقد زمام المبادرة، رغم الحصار والقصف المستمر.
وتدل المؤشرات الميدانية على أن غزة لا تزال قادرة على تشكيل كابوس ميداني للجيش الإسرائيلي، وأن الأرض –كما قال أحد المحللين العسكريين– "لم تعد آمنة لجنود الاحتلال، لا في شمال القطاع ولا جنوبه".
وتظل غزة، برغم كل الدمار، عصية على الانكسار، تحمل رسائلها النارية عبر فوهات البنادق ومصانع العبوات، مؤكدة أن القضية حية والمقاومة مستمرة.