قائمة الموقع

شيخ الجراحين قنديل.. داوى الجراح حتى لحظة استشهاده

2025-07-14T11:25:00+03:00
غزة - خاص الرسالة نت

فقد القطاع الصحي في غزة أحد أعمدته؛ فلم يكن الدكتور أحمد قنديل مجرد طبيب يمارس مهنته، بل كان ضميرًا نابضًا في جسد قطاع صحي يحتضر، وسندًا إنسانيًا لا ينكسر في وجه الحرب، وجراحًا يقاوم الموت بما استطاع من علم وجهد.
استُشهد صباح الأحد (13 تموز)، الطبيب قنديل، استشاري الجراحة العامة وجراحة الأوعية الدموية، ورغم إحالته إلى التقاعد منذ 14 عامًا، لم يغادر الطبيب السبعيني ميدان العمل، وظلّ يقضي ساعات طويلة بين جرحى القصف والنازفين في المستشفى المعمداني، ممسكًا بمشرطه، يداوي جراحهم بما توفر من إمكانيات.

ارتقى الدكتور قنديل وهو عائد من عمله، في استهداف (إسرائيلي) قرب مفترق السامر وسط مدينة غزة، تاركًا خلفه سيرة طبية لا تُنسى، ووجعًا جديدًا يُضاف إلى سجل استهداف الكوادر الطبية.

قامة طبية وإنسانية

وُلد الدكتور أحمد عطا الله حامد قنديل في مدينة غزة، حيث تلقّى تعليمه الأساسي والثانوي، قبل أن يلتحق بكلية الطب في جامعة عين شمس عام 1970، ويتخرّج منها حاملًا بكالوريوس الطب والجراحة.
لم يكتفِ بذلك، بل واصل مسيرته العلمية بحصوله على الماجستير، ثم الدكتوراه من أكاديمية وارسو الطبية في بولندا عام 1997، وأخرى في جراحة الجهاز الهضمي من فرنسا عام 1998.

عمل قنديل في مستشفى الشفاء، مطوّرًا مناهج الجراحة وأساليبها، قبل أن يُصبح مدير أقسام الجراحة فيه، ثم استشاريًا في المستشفى المعمداني، مشاركًا بأبحاث نُشرت في مجلات طبية مرموقة، ومثّل فلسطين في العديد من المؤتمرات الدولية، لينال عضوية الجمعيات الأوروبية للجراحة والطوارئ.

طبيب لم ينسحب من المعركة

ارتقى قنديل بعد مناوبة ليلية طويلة، إذ عُرف بأنه من أوائل الواصلين عند كل تصعيد، يلبّي نداء الجرحى في أصعب الظروف، لا ينتظر استدعاءً رسميًا، بل تحمله إنسانيته إلى ساحة العمل.
كان يؤمن بأن إنقاذ الحياة موقف لا يحتمل التردد، وأن بقاءه إلى جانب زملائه ومرضاه أولى من أي تقاعد أو راحة.

ووفق شهادات زملائه، فإن الطبيب الشهيد كان يحضر يوميًا إلى المستشفى، يُجري العمليات الجراحية المعقدة، ويُشرف على الحالات الحرجة.

في صباحه الأخير، لم يكن يعلم أنه على موعد مع الشهادة، لكنه، كعادته، أكمل مناوبته، وخرج بعد إنقاذ عشرات الأرواح، ليُستهدف بصاروخ إسرائيلي.
سقط جسد شيخ الجراحين، وارتفعت روحه، تاركًا خلفه عشرات الأطباء الذين تتلمذوا على يديه، وقطاعًا طبيًا لا ينسى بصماته.

"لم يغادر لأنه انتمى"، بهذه العبارة وصفه زملاؤه، بينما ذرفت عيونهم دمعًا حارًا على فقده، تمامًا كما بكت غزة أحد أعمدتها الطبية، وسط أجواء من الحزن والفخر.

جريمة تُضاف إلى سجل طويل

رحيل الدكتور قنديل ليس حادثًا فرديًا؛ فوفقًا لوزارة الصحة، بلغ عدد شهداء الكوادر الصحية منذ بداية العدوان أكثر من 1580 شهيدًا، بينهم أطباء وممرضون ومسعفون استُهدفوا أثناء أدائهم لمهامهم الإنسانية.

حوّل الاحتلال المستشفيات إلى أهداف عسكرية، وتحولت عربات الإسعاف إلى نعوشٍ متحركة.
ولأن الطبيب يحمل الحياة بين يديه، أصبح في نظر الاحتلال خصمًا يجب تصفيته.
فقنديل لم يحمل سلاحًا، لكنه وقف سدًا منيعًا في وجه آلة القتل، مقاومًا بأدواته المهنية، حتى آخر رمق.

اخبار ذات صلة