في غزة، لم تعد صلاة الجنازة حدثًا عابرًا، بل تحوّلت إلى طقس يوميّ، مشهد يتكرّر عشرات المرات في اليوم الواحد.
هنا لا تُرفع الأكفّ للشفاء، بل تُرفع مودِّعةً أرواحًا أزهقها القصف.
منذ السابع من أكتوبر 2023 ارتقى أكثر من 58000 شهيد فلسطيني، في واحدة من أبشع جرائم الإبادة الجماعية التي شهدها العالم الحديث، غالبيتهم من النساء والأطفال.
في رفح، وخان يونس، وغزة المدينة ودير البلح ، تُقام الجنازات جماعية في باحات المستشفيات المكشوفة.
في بعض الأحيان، يُصلّى على أكثر من عشرين شهيدًا دفعة واحدة…
أطفال على الأكتاف، وأمهات يودعنهم وسط صمتٍ مذهول، وقلوبٍ تنزف.
في مقبرة الشيخ شعبان المحيطة بمستشفى المعمداني، ضاقت الأرض بأجساد الشهداء فُتحت قبور جماعية، وتكدّست الجثامين في انتظار دفن طال انتظاره.
في هذه البقعة المحاصرة، لا يكاد يمرّ يوم دون فجيعة؛ صار طبيعيًا أن تفقد بيتك، أسرتك، جيرانك… كلهم في لحظة واحدة.
يروي "أبو ياسر سليم "، أحد الناجين من قصف دمّر منزله شرق غزة: "شيّعت أولادي الثلاثة وزوجتي في يوم واحد. لم يتبقَّ لي شيء… حتى الدموع، لم أعد أملكها."
رغم مرور شهور على المجزرة، لا يزال وجهه شاحبًا، صوته مبحوحًا، ينظر إلى الأرض حين يتحدث، كأن الكلمات تُرهقه أكثر من الحزن.
وفي مستشفى المعمداني، قالت ممرضة تعمل في وحدة الطوارئ: "أصبحت أُميّز أنواع الموت من نظرة العين فقط. أحيانًا يصلنا أطفال ما زالوا دافئين… ونضطر إلى وضعهم في التبريد قبل أن يجدوا لهم مكانًا في المقبرة."
لم يعد الغزّيون يسألون: "من استُشهد؟"بل صار السؤال: "كم عدد الشهداء اليوم؟"
أصبحت الجنائز موعدًا اجتماعيًا، وتجمعًا شبه يومي للعائلات المفجوعة ؛ يتعانق الناس على أبواب المقابر، لا عزاء هنا إلا في البقاء.
في كل بيت، قصة فقد.في كل شارع، رائحة دم، وصدى بكاء. في كل ساحة مستشفى، صلاة وداع.
في المجتمعات الطبيعية، تُقام الجنازات حدادًا على الفقد، أما في غزة، فهي إعلان للبقاء، وإصرار على الوجود.
كل جنازة، هي رسالة تقول: "نحن لا نموت… نحن نُبعث من جديد في كل شهيد ،نحن هنا ، لن نرحل ."
أيدي الغزّيين لا تُرفع فقط للوداع، بل للدعاء والثبات، ولسؤال السماء أن تنصفهم.
أخطر ما يمكن أن يواجه أهل غزة الآن، ليس القصف فقط…بل أن يعتاد العالم على صورهم وهم يشيّعون أبناءهم، وأن تصبح المجازر خلفية اعتيادية في نشرات الأخبار.
يعرفون أن الموت قدرهم… لكنهم يقاتلون كي لا يكون نسيانهم قدر العالم.
يصلّون على الشهداء، وعيونهم على السماء، وقلوبهم تهمس: "سنلتقي… والمحتل زائل، ولو بعد حين."
في غزة، لا تتوقّف صلاة الجنازة، لأن آلة القتل لا تتوقّف. .لكن من رحلوا، خلّفوا خلفهم نورًا… ومن بقوا، يواصلون المشوار على درب الحرية.