تتوالى التقارير الإسرائيلية التي تكشف حجم التآكل النفسي والاجتماعي في صفوف جيش الاحتلال الإسرائيلي بعد مرور 21 على العدوان على قطاع غزة وتوسع الجبهات مع لبنان وسوريا وإيران واليمن، حيث كشفت إذاعة جيش الاحتلال عن معطيات مقلقة تؤكد أن الجيش بات يعاني من أزمة شاملة، تجاوزت الميدان العسكري لتضرب بنية المؤسسة العسكرية والأسرة الإسرائيلية على حد سواء.
وبحسب ما أوردته إذاعة الجيش الإسرائيلي فإن عددًا متزايدًا من جنود الاحتياط باتوا يعانون من اكتئاب واضطرابات نفسية حادة، إلى جانب ارتفاع في حالات الطلاق في أوساطهم، فيما يعاني أطفالهم من اضطرابات نفسية ويُسحبون من الأطر التعليمية.
وتضيف الإذاعة العسكرية أن الإرهاق لم يقتصر على الجنود فقط، بل طال الضباط والقادة، حيث تم تسجيل طلبات متزايدة لإنهاء الخدمة، في واحدة من أبرز موجات الانهيار النفسي في تاريخ المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.
وقد أوردت الإذاعة أن أحد قادة الكتائب طلب مؤخرًا إعفاءه من الخدمة بعد تهديد زوجته بالطلاق، وتمت الموافقة على طلبه، ما استتبع تفريغ كتيبته بالكامل.
وقال أحد قادة الكتائب: "لو طلب منا الآن استدعاء الكتيبة لجولة جديدة، لا نعرف حتى من أين نبدأ بالعثور على الجنود"، في دلالة على تآكل الروح القتالية وتراجع الجاهزية البشرية للجيش.
كما أظهرت التقارير أن الجيش اعتمد بنسبة 100% على قوات الاحتياط لتأمين الحدود الشمالية مع لبنان وسوريا خلال عملية "عربات جدعون" في غزة، في وقت فرض فيه نظام مناوبات مرهق من نوع "أسبوع-أسبوع".
وقد صرّح أحد جنود الاحتياط: "قائد الكتيبة أخبرنا منذ البداية أن نظام الأسبوع مقابل أسبوع مرهون بنسبة الحضور، وكنا نعرف أنه لولا هذا النظام، لما حضر أحد أصلاً."
أزمة لوجستية خانقة
وبحسب إذاعة جيش الاحتلال، أقر ضباط من وحدات المدرعات بوجود نقص حاد في الدبابات، ما يعرقل القدرة على الانتشار الفعّال في الميدان.
كما أشار سائق احتياط يخدم على الجبهة السورية إلى أنهم لا يملكون مركبات مناسبة لمهام الأمن الجاري، ويُجبرون على استخدام ما هو متاح، إن لم تكن تلك المركبات في ورشة الصيانة.
وفي السياق ذاته، قال ضابط في لواء احتياط تابع لوحدات نخبة متمركزة على الحدود الشمالية: "النتائج العملياتية مقلقة، عدد أقل من الجنود يسيطر على مساحات أوسع، ما يؤدي إلى فراغات بين القوات، وتراجع في العمليات الهجومية، وزيادة الضغط على من تبقى."
وتؤكد الإذاعة أن من تحدث مع الجنود مؤخرًا يدرك أن "الوضع ليس حالة فردية، بل حالة واسعة الانتشار". ورغم ذلك، تصر الحكومة على تجاهل الواقع والمطالبة باستمرار العمليات، مما دفع رئيس الأركان لاتخاذ قرار صعب بتقليص حجم القوات، في وقت لم تبادر الحكومة إلى توسيع التجنيد ليشمل فئات أخرى من المجتمع.
وتختم الإذاعة بالقول: "الضغط النفسي والعملي موجود في كل وحدة وعلى كل جبهة، ولم يكن قرار تقليص القوات خياراً، بل فرضته الضرورة".
تعكس هذه الشهادات المأزق الذي يعصف بالمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وسط فشل استراتيجي في الحسم العسكري في غزة، وتعاظم كلفة الحرب إنسانياً ونفسياً على الجنود وعائلاتهم.
ويرى مراقبون أن هذه المعطيات تشكّل ناقوس خطر أمام المؤسسة السياسية الإسرائيلية، التي باتت عاجزة عن تحقيق نصر حاسم أو تقديم رواية مقنعة لمجتمع يعاني من التآكل والخذلان، ما يُنذر بمزيد من التراجع في ثقة الجمهور بالجيش والحكومة على حد سواء.
وبينما يستمر الاحتلال في عدوانه على غزة، فإن الجبهة الداخلية الإسرائيلية بدأت تتآكل بوتيرة متسارعة، ويبدو أن الأزمة المقبلة لن تكون في الميدان فقط، بل في قدرة الجيش على الاحتفاظ بجنوده وقادته، والحفاظ على تماسك مجتمعه الداخلي.