"أنا مش خايفة نموت من الجوع؛ خايفة من كسرة الخاطر لو ما توقفت هالحرب المجنونة." بهذه الكلمات أنهت الصحافية الفلسطينية ولاء الجعبري آخر منشورٍ لها على حسابها في موقع (فيسبوك)، قبل أن تصمت صفحتها إلى الأبد، وتتحول هي نفسها إلى خبر عاجل تتناقله وكالات الأنباء.
لكن ولاء لم تكن رقمًا عابرًا في قوائم الشهداء. كانت صحافية شجاعة، وأمًّا لأربعة أبناء –ثلاثة أولاد وجنين في رحمها– وامرأة حملت بين ضلوعها الكلمة والمقاومة، والقلق والحنان، والدمع والسرد.
نامت ولاء ليلة الأربعاء 23 من يوليو/تموز برفقة أطفالها في منزلها، منهكة بعد يوم طويل من مهام الأمهات اليومية في غزة، تفكر كيف ستسكت جوع أطفالها عند الصباح، لكن الاحتلال (الإسرائيلي) لم يعطها فرصة الاستيقاظ في يوم جديد، حيث استهدفت طائراته في ساعة متأخرة بعد منتصف الليل منزلها في حي تل الهوى بمدينة غزة. سقطت القذائف كأنها تعرف تمامًا من تسحق. دُفن المنزل فوق ساكنيه، واستُشهدت ولاء وزوجها وأطفالها (مالك وأمير) وجنينها، وعدد آخر من أفراد عائلة زوجها.
فيما بقي طفلها كريم، مصابًا بحروق، يحارب من أجل البقاء في إحدى المستشفيات المنهكة التي لا تجد وقودًا أو دواءً كافيًا. لم يعرف كريم بعد أن شقيقَيه والجنين الذي كانت أمه تنتظر قدومه للحياة كل ليلة، قد فارقوا الحياة.
ولاء، التي بدأت مشوارها الصحفي بالعمل في إذاعة وصحيفة (الرسالة) لسنوات، ثم انتقلت للعمل مع مؤسسات إعلامية محلية أخرى، لم تكن تكتب عن الحرب من مسافة، بل من قلبها، ومن وجعها اليومي كأم ومواطنة وصحافية. كانت توثق المجازر وتصرخ من أجل إدخال المساعدات للمجوعين في القطاع، وتشارك صور الأطفال المفقودين وتكتب عن "الجوع والخوف والخذلان"، وتُذيل كلماتها دائمًا بدعاء: "يا رب سترك وعفوك."
برحيل الصحفية ولاء مع أسرتها، يرتفع عدد الصحفيين الفلسطينيين الذين قُتلوا منذ 7 أكتوبر 2023 إلى 231 صحفيًا وصحفية، وفقًا لما أعلنه المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، الذي أدان الجريمة وطالب بمحاسبة الاحتلال ومن يدعمه.
لكن لا شيء يعوّض ولاء. ولا أحد يمكنه احتضان كريم كما كانت تفعل. ولا تدوينة على (فيسبوك) ستصرخ الآن كما كانت تفعل كلماتها.
ما حدث مع ولاء هو كسرة الخاطر التي كانت تخشاها.
كسرةٌ تصيب كل صحافي فلسطيني بات ينتظر دوره في قائمة الاستهداف، وكل طفل يرى العالم يتفرج على موته بدمٍ بارد.
ولاء الجعبري، لم تخف من الموت جوعًا، لكنها كانت تخاف من خذلان العالم، وها هو العالم يخذلها، من جديد!