في الوقت الذي تتصاعد فيه وتيرة العدوان الإسرائيلي الشرس على لبنان، مخلّفاً دماراً واسعاً ومئات الضحايا المدنيين، تبرز غزة من تحت ركامها لتشارك بيروت وجعها.
غزة، التي خبرت مرارة الفقد وحجم الخذلان، تقف اليوم شاهدة ومواسية للبنانيين، في مشهد يعكس وحدة الدم والمصير أمام آلة حرب مشتركة.
أرقام تروي فداحة المأساة
وفي تصعيد مفاجئ بعد ساعات قليلة من إعلان الولايات المتحدة وإيران عن هدنة لمدة أسبوعين تمهيداً لإنهاء الحرب، وتأكيد باكستان شمولها للجبهة اللبنانية، شنت (إسرائيل) أوسع هجماتها على لبنان منذ الثاني من مارس/آذار الماضي، مُخلفةً -بحسب تصريحات وزارة الصحة اللبنانية- حصيلة دموية أولية بلغت 87 شهيداً وأكثر من 700 جريح.
غارات متزامنة ومجازر مهولة، أسفرت الأحزمة النارية الأخيرة التي استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق أخرى في جبل لبنان والجنوب، عن دمار مبانٍ سكنية كاملة فوق رؤوس قاطنيها.
غزة تعرف هذا الشعور جيداً
أمام هذا المشهد المأساوي، تصدرت أصوات الناشطين والصحفيين الفلسطينيين في قطاع غزة للتعبير عن تضامنهم العميق. فالألم الذي يعيشه لبنان اليوم هو نسخة مكررة من يوميات غزة المحاصرة.
الصحفية رشا فرحات لخصت هذا الوجع المشترك قائلة: "كم أمًّا الآن تبحث في الركام عن ملامح ابنها، وكم طفلًا ينام الليلة… بلا غد؟ نحن نعرف هذا الشعور جيدًا، نعرف كيف يصبح البيتُ ذكرى، وكيف يتحول الدفءُ إلى خوف!! وكيف نلملم الأشلاء من قارعة الطريق ومن أسطح المنازل!! يا لبنان، لا تسأل لماذا العالم صامت، فنحن أيضًا سألنا… ولم يجبنا أحد".
ويؤكد الناشط أحمد سرداح هذا التطابق في المعاناة، مشيراً إلى أن "غزة وحدها تشعر بما يحدث في لبنان، وتفهم تفاصيل المجازر حين تصبح الشوارع شاهداً، والبيوت قبوراً!".
ويضيف سرداح أن غزة "تعرف تماماً كيف تأتي ردود العرب وحجم الخذلان"، داعياً الله أن يحفظ لبنان ويربط على قلوب أهلها.
أما حالة الحزن المزدوجة، فقد عبّر عنها الناشط عبود بطاح بتساؤل يدمي القلب: "لا ندري أَنَبكي على حالنا في فلسطين (غزة)، أم نبكي على جراح لبنان… فالألم واحد، والوجع ممتد في كل القلب".
غضبٌ من الصمت والخذلان
حالة الخذلان العربي والدولي التي اكتوت بها غزة، يراها الفلسطينيون تتكرر بدقة مع لبنان. وفي هذا الصدد، عبر الناشط محمد عبد العزيز النجار عن غضبه قائلاً: "بيروت يا وجع القلب، وهوان أمة باعت نفسها للشيطان ورضيت بالذل والهوان، تستجدي من كانت تناديه بالعدو الاستراتيجي للدفاع عنها".
ويتوقع الصحفي محمود العمودي استمرار صمت المجتمع الدولي، قائلاً بمرارة إن العالم "سيضع في فمه حذاء مقاس 45 ولن يتحدث بحرف عما يجري في لبنان.. وسيصاب بالعمى والطرش فلا يسمع ولا يرى ولا يتكلم".
ويشير العمودي إلى أن العالم الأعوج قد يلقي باللوم على لبنان نفسه وضحاياه، متوقعاً ظهور بعض أصوات "الشماتة من هنا وهناك".
وفي مقاربة مؤلمة، وجه الفنان محمود زعيتر رسالته للشعب اللبناني مذكراً إياهم بمجازر مشابهة: "حدث في غزة في المستشفى المعمداني ما حدث لديكم اليوم، ذاكرة القهر تتكرر وتتعدى كل الخطوط. لا تنتظروا شيئاً ونصرة من أحد، فنحن وإياكم أرقام لديهم تدون في سجلات التاريخ وتنسى بعد 3 أيام".
تضحيات لا تُنسى
ورغم قسوة الضريبة المدفوعة، يرى كتاب وحقوقيون أن تضحيات الجبهتين هي أثمان حتمية لكسر غطرسة الاحتلال.
الكاتب ذو الفقار سويرجو يرى أنه "رغم أن غزة كُسر سيفها ولكنها بزئيرها كانت في مقدمة الجبهة"، معتبراً أن غزة ولبنان دفعا فاتورة ضخمة ونهرًا من الدماء ودمارًا يدمي القلوب لإثبات أن هزيمة منظومة الاحتلال ممكنة. وأضاف: "لا يجوز أن تُخذل غزة مرتين... فما يحدث الآن ما هو إلا استراحة مقاتل".
وعلى الصعيد الحقوقي، يؤكد رئيس المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، د. رامي عبده، أن "الدماء في لبنان تؤكد المؤكد، هذا كيان دموي وحشي لا مستقبل له في هذه المنطقة مهما تعاقبت السنوات".
وهو ما يتقاطع مع الموقف الجذري للناشط مصطفى البنا الذي شدد على أنه "ليس أقل من زوال إسرائيل ثمنًا لكل الدماء والآهات التي سببتها آلة الإرهاب الأبشع على هذا الزمان".
وتستمر آلة الحرب في حصد الأرواح بين بيروت وغزة، لكن الرسالة التي يسطرها الفلسطينيون اليوم هي أن الدم اللبناني والفلسطيني يتدفقان في مجرى واحد، صامدين في مواجهة عدو مشترك ووسط عالم يكتفي بالمشاهدة.