قائمة الموقع

مغالطات إعلان نيويورك: تسوية تُكافئ الجلّاد وتُحمّل الضحية أعباءً مضاعفة

2025-08-07T17:56:00+03:00
مغالطات إعلان نيويورك: تسوية تُكافئ الجلّاد وتُحمّل الضحية أعباءً مضاعفة
متابعة- الرسالة نت

رغم ما تملكه الدول العربية من عناصر قوة سياسية واقتصادية وقانونية يمكن تسخيرها لخدمة القضية الفلسطينية، إلا أن الحضور العربي في "المؤتمر الدولي لحلّ الدولتين" الذي انعقد في نيويورك (28-30 تموز/يوليو 2025) عاد بإعلان لا يبدو أنه سيختلف كثيراً عن مصير عشرات القرارات السابقة التي بقيت حبراً على ورق، في ظل غياب أدوات الفعل والتأثير العربي، مقابل فعالية أدوات الضغط الإسرائيلية المدعومة من تحالفات دولية وإقليمية قوية.

وفي مقال تحليلي للباحث والأكاديمي عبد الفتاح ماضي، نُشر ضمن باب "قضايا"، اعتبر أن وثيقة نيويورك، رغم ما تضمنته من بعض الإيجابيات، تعكس اختلالاً جوهرياً في منهج التعامل مع القضية الفلسطينية، عبر تحميل الشعب الفلسطيني وقيادته التزامات مشروطة، مقابل لغة مبهمة ومراوغة عند الحديث عن دولة الاحتلال.

بحسب ماضي، فإن من بين الإيجابيات الواردة في الإعلان، إدانة حرب الإبادة في غزة، والدعوة إلى وقفها الفوري، ومنع التهجير، وتسهيل دخول المساعدات وبدء الإعمار، إلى جانب الالتزام بمرجعيات قرارات الأمم المتحدة بشأن الحقوق الفلسطينية. 

غير أن هذه العبارات، كما يقول الكاتب، جاءت عامة وعائمة دون ربطها بإجراءات ملزمة أو آليات تنفيذ.

تسويق مغالطات استراتيجية تعيد إنتاج الفشل

يرى ماضي أن إعلان نيويورك أعاد تسويق مغالطات كارثية تم تجريبها سابقاً وأثبتت فشلها، وأبرزها:

إدانة المقاومة: تجريم المقاومة ونزع سلاحها هو خطأ أخلاقي واستراتيجي، يتجاهل أن كل تجارب التحرر في التاريخ فرضت كلفاً على المستعمر للانسحاب. فلماذا يفترض البعض أن فلسطين ستكون استثناءً؟

الحياد الغربي الزائف: الحديث عن "ضمانات دولية" فارغ من مضمونه ما دامت الدول الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، ترفض تنفيذ قرارات الشرعية الدولية، وسط صمت عربي وتخلي عن أوراق الضغط الاقتصادية والدبلوماسية.

أولوية الأمن على العدالة: إعلان نيويورك يربط حل الدولتين بـ"الاندماج الإقليمي" وتأسيس "هيكل أمني إقليمي"، ما يعني عملياً تحويل القضية من مسألة تحرر وحقوق إلى مشكلة أمنية تعرقل التطبيع، وبالتالي تسويغ أي حل ينزع جوهر العدالة.

ابتزاز الضحية وتجاهل الجلّاد

يصف الكاتب مخرجات الإعلان بأنها "ابتزاز ناعم للضحية"، إذ نصّت الوثيقة على حزمة كبيرة من الالتزامات الصارمة المفروضة على الطرف الفلسطيني، بينما جاءت اللغة المستخدمة بشأن دولة الاحتلال مراوغة وغير ملزمة.

فالوثيقة تطلب من الفلسطينيين:

تسليم قطاع غزة للسلطة

إنهاء حكم حماس

تشكيل لجنة إدارية انتقالية فورية

إجراء انتخابات عامة خلال عام بشروط مسبقة

الالتزام الصريح بحل سياسي ونبذ "العنف"

نزع سلاح المقاومة وإعادة دمج الفصائل

إصلاحات إدارية واقتصادية شاملة

تحديث المناهج ومكافحة "التحريض"

التحضير لإدارة خدمات اللاجئين بدلاً من الأونروا

في المقابل، جاءت مطالب الوثيقة من دولة الاحتلال بصيغة "دعوة" أو "تشجيع" على إصدار "التزام علني" بحل الدولتين، ودعوة إلى تحديث المناهج، واستئناف المفاوضات، دون أي إلزام أو إجراءات رقابية أو مساءلة.

إعادة تدوير الفشل: حلّ الدولتين إلى أين؟

ينتقد ماضي إعادة طرح خيار "حلّ الدولتين" بوصفه "الحل الوحيد"، رغم فشل هذا الطرح في تحقيق أي نتائج منذ مبادرة بيروت عام 2002. فرغم مرور أكثر من عقدين، لم يبدِ الاحتلال أي تجاوب، بل استمر في فرض وقائع استيطانية على الأرض، وتبنى روايات بديلة لحل القضية، مثل "السلام الاقتصادي" أو مشاريع الضم الزاحف.

ويحذر الكاتب من أن الإفراط في تكرار هذا الخيار دون أدوات فعل، ليس فقط مضيعة للوقت، بل يمنح الاحتلال فرصة لشرعنة ممارساته تحت غطاء "مساعٍ سلمية" لا تؤدي إلى نتائج.

دعوة لمراجعة استراتيجية شاملة

في ختام مقاله، يؤكد عبد الفتاح ماضي أن معالجة جوهر الأزمة تبدأ بإعادة تعريف الصراع بوصفه قضية تحرر وحقوق إنسان، لا مجرد نزاع سياسي بين طرفين. ويتطلب ذلك:

مراجعة عربية شاملة للموقف السياسي، وأسباب ضعف الأداء في مواجهة الاحتلال.

تفعيل أدوات الضغط السياسي والاقتصادي والدبلوماسي في وجه الولايات المتحدة وداعمي إسرائيل.

إعادة صياغة السردية الفلسطينية عربياً ودولياً بلغة قانونية وأخلاقية تخاطب المجتمعات لا الأنظمة فقط.

دعم الإصلاح الداخلي العربي، والاستقواء بإرادة الشعوب، وتحرير الخطاب السياسي من قيود التطبيع.

يكشف إعلان نيويورك، من وجهة نظر الكاتب، عن أزمة عميقة في العقل السياسي العربي الرسمي، وعجز عن تحويل الخطاب إلى أدوات ضغط. ويؤكد أن السلام لا يُبنى على الظلم، ولا على ابتزاز الضحية، ولا على تعويم جوهر القضية. وإذا استمرت هذه المقاربة، فإن الاحتلال سيكون المستفيد الأول، لا من تسوية عادلة، بل من تقويض أي مشروع وطني فلسطيني مستقل.

اخبار ذات صلة